http://forum.vanleer.org.il/ar/%d7%95%d7%90%d7%a3-%d7%a2%d7%9c-%d7%a4%d7%99-%d7%9b%d7%9f/

صادقت الكنيست، في تموز 2018، على قانون القومية الذي أشعل غضباً واحتجاجاً بين المواطنين العرب ودعاة الديمقراطية. بعد ذلك بثلاثة أشهر، أثار زواج لوسي هريش وتساحي هليفي ردود فعل من الغضب والانفعال، التأييد والعاصفة. فور ذلك، مباشرة، عمت المجتمع العربي موجة من الزهوّ والفخر حين تبين أن نسبة الطلاب الجامعيين العرب قد ارتفعت بـ 80% في غضون عشر سنوات[1]، ولدى نشر الصور من حفل افتتاح السنة الدراسية الجديدة في معهد التخنيون[2]، الذي يشكل الطلاب العرب ثـُلثَ الطلاب الجدد فيه ـ  وهو وضع كان من الصعب مجرد تخيّله قبل سنوات معدودة. هذه الأحداث الثلاثة تعكس وُجهات متناقضة في منظومة العلاقات بين الحكومة والمجتمع اليهودي وبين المواطنين العرب، وصلت عشية نهاية العام 2018 إلى ذرى جديدة وإلى صدام قوي جدا. من الجمهور العام وحتى الحكومة، ثمة في إسرائيل قوى تدفع نحو التحريض، الفصل، الإقصاء والتصعيد، مقابل قوى تدفع نحو المساواة والشراكة.

تشن الحكومة هجوما سياسيا مسموما ومنفلتا ضد المواطنين العرب، يشمل ثلاثة مركّبات أساسية: التحريض بقوة ووتيرة غير مسبوقتين من جانب رئيس الحكومة ووزراء كبار، بما في ذلك دعوات لمقاطعتهم[3] واتهام قادتهم بالخيانة وبالتعاون مع العدو؛ محاولات للمسّ بتمثيلهم السياسي؛ والتشريعات الفظة التي توجه لهم رسالة واضحة مفادها أنهم ليسوا شركاء ولا حق لهم في شيء هنا. هذا الهجوم ليس مرفوضا من الناحية الأخلاقية فحسب، بل إنه خطير جداً أيضا: هكذا تفلت النزاعات القومية من السيطرة وهذه هي عيدان الثقاب التي تشعل حروبا أهلية، مثل الحرب الأهلية الدامية التي اندلعت في يوغسلافيا في العام 1991على خلفية مشابهة، حيث لجأ قادة سياسيون إلى تحريض المجموعات القومية وتأليبها، بعضاً على بعض[4].

في المقابل، تعمل الحكومة على تحسين الوضع الاجتماعي ـ الاقتصادي لدى المواطنين العرب. تعمل الوزارات الحكومية على تطبيق قرار رقم 922 الذي اتخذته الحكومة في كانون الأول/ ديسمبر 2015 لتقليص الفجوات[5]، والذي يشمل إصلاحا جديا في آليات رصد الميزانيات في مجالات مثل المواصلات، البنى التحتية، التعليم، السكن والتخطيط. هذه الخطة ليست بمنتهى الكمال بالطبع، إذ ثمة بؤر تمييز كبيرة لم تتم معالجتها[6]، كما أن تطبيقها لا يخلو من الإشكاليات والصعوبات. غير أن الأخبار السارة هي أن ثمة جهداً حكومياً يُبذَل لتنفيذ هذا القرار[7] ويجري تحويل الجزء الأكبر من الميزانيات إلى السلطات المحلية العربية، وهو ما يُحدث التغيير[8].

السبب الأساسي لرصد هذه الميزانيات هو المصلحة الاقتصادية في دمج المواطنين العرب في سوق العمل. نظرا لحجم المجتمع العربي والصعوبة البالغة جدا في دمج الحريديم في سوق العمل، يسود لدى النخبة الاقتصادية في إسرائيل إجماع على أن عدم دمج المواطنين العرب في سوق العمل سيؤدي إلى إلحاق ضرر جسيم بالاقتصاد الإسرائيلي، إن لم يكن إلى انهياره التام، في غضون بضعة عقود. وثمة سبب إضافي آخر، أقل لطفا، لتوظيف ميزانيات هدفها تحسين أوضاع السكن والتخطيط في البلدات العربية هو: الرغبة في تقليص ظاهرة انتقال العرب إلى السكن في بلدات يهودية.

تفسير إضافي محتمل لحقيقة أن الوزراء ورئيس الحكومة يؤيدون توظيف هذه الميزانيات ـ هو مصلحتهم السياسية في التحريض على العرب وشن هجوم سياسي ضدهم. رغم ذلك، ونظرا لأنهم غير معنيين بخروج منظومة العلاقات عن السيطرة وانحدارها إلى مهاوي العنف، ربما كانوا يوظفون الميزانيات كي يمنعوا التصعيد.

يكمن تفسير الهجوم السياسي الذي تشنه الحكومة ضد المواطنين العرب بحقيقة أن سياسيين كثيرين في اليمين يعتقدون بأن التحريض والتهديد ـ اللذين يقتصران على التصريح غالباً ـ يعززان من قوتهم ومكانتهم أمام جمهور ناخبيهم وفي هيئات أحزابهم، وخاصة الليكود والبيت اليهودي. وتقدم موجة الحملات الدعائية العنصرية ضد المواطنين العرب، خلال المعركة الانتخابية الأخيرة للسلطات المحلية في تشرين الأول/ أكتوبر 2018[9]، دليلا جديدا على فرضية أن سياسيين كثيرين يؤمنون بأن تبني مواقف معادية للعرب هو أمر مربح سياسيا، ولذا فهم يتصرفون على هذا النحو. ولكن، لماذا يجد الخط المعادي للعرب هذا الرواج ويكتسب هذه الشعبية، الآن بالذات؟ لأن هذا، ضمن أمور أخرى، هو ردة الفعل المضادة على تعاظم قوة المجتمع العربي. فرغم التمييز المنهجي ورغم العنصرية، إلا أن المجتمع العربي ـ وبمساعدة السياسة الحكومية الرامية إلى تقليص الفجوات خلال العقد الأخير ـ يسجل نجاحا كبيرا في تحسين أوضاعه الاجتماعية ـ الاقتصادية، في زيادة تمثيله السياسي في الكنيست وفي البدء بالاندماج في مراكز القوة، في الاقتصاد وفي المجتمع. المعطيات في هذا الشأن واضحة تماما ولا تقبل أي نقاش.

لا يقتصر الأمر على التعزيز الاقتصادي فحسب، بل يتعداه إلى الاجتماعي والسياسي أيضا. صحيح أن اللغة العربية ما تزال غائبة عن كثير من مجالات الحيز العام، إلا أن حضورها في الحيز العام قد ازداد بشكل جدي: في الأكاديميا، في المواصلات العامة، في الأماكن العامة وغيرها. والعلم الفلسطيني يُرفَع بفخر واعتزاز في المظاهرات والاعتصامات التي ينظمها المواطنون الفلسطينيون، بما في ذلك في تل أبيب[10]، والرواية الفلسطينية تُعرَض في مؤسسات وفعاليات ثقافية في إسرائيل، أكثر مما كان في أي وقت مضى.

ليس هذا اندماجا متذللاً ومستسلماً. المواطنون العرب، بدءا بقادة المجتمع العربي في الكنيست وفي السلطات المحلية، مرورا بالمجتمع المدني والأكاديميا وانتهاء بالمواطنات والمواطنين العاديين، يؤكدون هويتهم الفلسطينية ويطالبون، بشكل واضح، بحقوقهم كأبناء المكان المولودين فيه، كأفراد وكمجموعة قومية، ويطالبون بإلغاء الامتيازات والحقوق الفائضة المضمونة لليهود. عدد أعضاء الكنيست في الأحزاب التي تمثل المواطنين العرب تمثيلا حقيقيا أكبر مما كان عليه في أي وقت سابق وهم يعملون بصورة منهجية وناجحة من أجل تحصيل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لناخبيهم، يواصلون المطالبة بحقوقهم القومية وتوجيه النقد غير المساوِم للسلطة وإظهار خطايا الصهيونية. اليمين المتطرف، الذي يخشى تعاظم قوة المجتمع العربي، يعتبر هذا كله مؤشرا على الأزمة الناجمة عن دخول العرب إلى مراكز القوة، في محاولة للدفع من هناك بقضاياهم ومحاولة تحقيق مطالبهم.

طالما كان المواطنون العرب في حالة ضعف، إقصاء وعزل، لم يشكلوا أي تهديد على الهيمنة اليهودية. أما الآن، وقد تغير الوضع، فإن دعاة التفوق اليهودي والفصل يتأهبون لخوض صراع مضاد يرمي إلى تكريس دونية العرب من الناحية الاقتصادية، تقليص الحضور الوطني الفلسطيني في داخل إسرائيل وتخليد الفصل، الذي بدأ هو أيضا بالتصدع. حتى ما قبل عشر سنوات خلت، كان بإمكان يهود كثيرين مواصلة العيش مثلما يريدون، دون أي اتصال دائم مع العرب. لكن هذا لم يعد ممكنا بعد: الطلاب الجامعيون اليهود يدرسون إلى جانب الطلاب العرب، اليهود والعرب يعملون كتفا إلى كتف في شركات الهايتك، في القطاعات الخدماتية، في الصناعات، في القطاع العام، في المستشفيات، في مراكز التسلية والترفيه وفي المحلات التجارية ـ كزملاء وكمستهلِكين. كرميئيل، نتسيرت عيليت وبئر السبع أصبحت مدناً مختلطة جديدة وستلحق بها مدن أخرى أيضا.

حفل افتتاح السنة الدراسية في التخنيون – تشرين أول – 2018 تصوير: بروفيسور يوسف جبارين

هذا القُرب في الحيز الأكاديمي، الجماهيري والتشغيلي وفي الأماكن السكنية، ينطوي على احتمال طمس الفوارق ويؤدي إلى نشوء علاقات شخصية، بل وعاطفية أيضا في بعض الأحيان، فيلامس عندئذ المشاعر والمخاوف الأكثر بدائية لدى اليهود. إن معارضة انتقال العرب إلى السكن في بلدات يهودية، مثل كفار هفرديم (قرية الورود) والعفولة[11]، والرد القاسي على زواج لوسي هريش وتساحي هليفي هي أمثلة ممتازة للتعبير عن ذلك.

هنالك نماذج أخرى كثيرة عن ردة الفعل المضادة: الدفع نحو سن قانون الولاء في الثقافة[12] بغية منع عرض الرواية الفلسطينية في المؤسسات الثقافية؛ احتجاج السكان في بئر السبع ضد قرار إضافة المناداة باللغة العربية في الباصات المحلية[13]، والذي أدى إلى إلغائها وإزالتها طوال بضعة أشهر. وقد يكون سن قانون القومية أيضا جزءا من هذه السيرورة ذاتها. لم يكن من المرجح ـ بل من المشكوك فيه جداً ـ أن تبادر السلطة المركزية إلى سن قانون كهذا ينطوي على مس كبير جدا بالمواطنين العرب وتصرّ على تضمينه أمراً بخفض مكانة اللغة العربية، لو أن المواطنين العرب هم مجموعة ضعيفة، معزولة ومتخاذلة. لكنهم ليسوا كذلك.

هدف أضافي آخر لهذه الهجمة السياسية ضد القيادة العربية هو نزع الشرعية عن مشاركة العرب في السلطة. الشراكة بين اليسار الصهيوني والعرب في حكومة رابين الثانية[14] فتحت الطريق أمام خطوات يعتبرها اليمين بمثابة كارثة. تدرك قيادة اليمين أن نزع الشرعية عن مثل هذه الشراكة هو وسيلة ناجعة لتكريس سلطة اليمين، وهي تعمل وفقا لذلك.

تسعى الحكومة، إذن، إلى تعزيز المجتمع العربي من الناحية الاجتماعية ـ الاقتصادية وإلى إضعافه من الناحية السياسية. إنها تحاول عقد ما يشبه الصفقة مع العرب: العمل، الميزانيات والدمج في سوق العمل، مقابل عدم التسييس وعدم الفلسطنة. فهل ستفلح في ذلك؟ على المستوى الفردي، الجواب هو أنه من المؤكد أن يكون هنالك أفراد يستفيدون بتحسن وضعهم الاقتصادي فيخشون إبراز هويتهم الفلسطينية والمشاركة في النضال من أجل المساواة. ولكن، من جهة أخرى، من شأن الظروف الاقتصادية المعقولة أن تتيح تمتين الجانب الاجتماعي والقومي: خطوط المواصلات العامة التي تُدخلها الحكومة إلى المدن العربية لتمكين سكانها من الخروج إلى العمل تسهّل أيضاً ـ بما يثير حنق الحكومة ـ عملية تنظيم الفعاليات السياسية والاجتماعية التدعيمية. التعليم الأكاديمي يعمق الوعي والمجتمع الأصلب عوداً يكون كثر نجاحاً في خوض نضال أفضل من أجل حقوقه. هذه أخبار سارة ومشجعة للمواطنين العرب ولجميع مؤيدي المساواة والمشاركة.

حتى الآن، لا يبدو أن السلطة تحقق النجاح في مسعاها لدفع العرب إلى العدول عن العمل السياسي مقابل الميزانيات وفرص التشغيل. وقد يكون هذا الإدراك هو ما يجعل الهجمة السياسية أكثر حدة وفظاظة. ومن الواضح، أيضا، أن التحريض السياسي من جانب الحكومة لا يشكل صدىً لردة الفعل المضادة والأجواء السائدة بين الجمهور فقط، بل يغذيها ويعمق الكراهية أيضا.

في هذا الوضع المعقد والصعب، ليس من المجدي إنكار التوجه الإيجابي المتمثل في التوظيفات المالية، تحسين الوضع الاجتماعي ـ الاقتصادي والاندماج في المجتمع والاقتصاد. ذلك إن الإنكار يرسم صورة مشوهة عن الواقع قد تؤدي إلى استخلاص استنتاجات وأساليب عمل مغلوطة. ومن جهة أخرى، يُحظر التزام الصمت حيال “الصفقة” التي ترغب الحكومة في عرضها على العرب ـ حقوق شخصية فردية وميزانيات مقابل التنازل عن الهوية الفلسطينية. ينبغي على جميع اللاعبين والمنظمات الناشطة في النضال من أجل المساواة إعلان موقفها الحازم في هذا الشأن.

من المهمّ مواصلة دفع وتسريع الخطوات الحكومية في اتجاه التطوير الاقتصادي وتقليص الفجوات في الميزانيات المرصودة. أيا كانت الدوافع من وراء هذه السياسة، تبقى هذه فرصة لا يجوز تفويتها. وليس أقل أهمية من هذا، أيضا، مواصلة النضال من أجل مزيد من الحيزات المشتركة والحضور المتساوي للغة، الرواية والثقافة العربية ـ الفلسطينية. إن الدفع نحو تعزيز حضور اللغة العربية في الحيز الجماهيري العام، والمستمر بعد سن قانون القومية أيضا، يثبت أنه بالإمكان دفع خطوات إيجابية، حتى في الوضع السياسي الحالي أيضا.

البشرى غير السارة بالنسبة لجميع العاملين من أجل مجتمع مشترك ومتساوٍ هي أن النجاحات التي استطعنا تحقيقها حتى الآن ـ تعزيز المجتمع العربي، بدء اندماجه في مراكز القوة وخلق فضاءات مشتركة، خطوات من شأنها أن تتواصل مستقبلا أيضا ـ ستؤدي إلى تعزيز ردة الفعل المضادة. إن احتمال دفع السلطة الحاكمة حاليا إلى التخلي عن نهجها السياسي هذا هو احتمال ضئيل، لأنها هي نفسها أسيرة في شِراك الكراهية تجاه العرب ـ الكراهية ذاتها التي كانت هي (السلطة الحاكمة حاليا) من أثارها وغذّاها لدى جمهور ناخبيها.

الطريقة الأكثر نجاعة، وربما الوحيدة، لوقف ردة الفعل المضادة هي في إيجاد توافقات سياسية بين اليسار والوسط والعرب. ستكون هذه توافقات محدودة وهشّة، بالتأكيد، لكن يمكنها أن تشكل قاعدة لإقامة كتلة مانعة تقود إلى تغيير الحكم الحالي. بعد عقد من التحريض ضد المواطنين العرب وقيادتهم، سيكون بناء شراكة سياسية كهذه [15] مهمة في غاية الصعوبة، إلا أن هذه هي الخطوة الوحيدة، في رأيي، التي يمكنها وقف الهجمة السياسية الحكومية ضد المواطنين العرب، تحريك عملية إشفاء اجتماعي وربما، أيضا، إعادة المحاولة لوضع حد نهائي للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. كل من يطمح إلى حياة جيدة في هذه البلاد، عليه الانخراط في هذه المهمة.

 

ترجم المقال من العبرية: سليم سلامة

[1] https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5366006,00.html

[2] https://www.facebook.com/yosef.jabareen.50/posts/10215312235611593

[3] https://www.mako.co.il/news-military/security-q4_2017/Article-af21631edde3061004.htm

[4] https://tinyurl.com/ycnqzxgs

[5] https:// https://tinyurl.com/y8bsqh2v

[6] https://www.themarker.com/opinion/1.3093442

[7] https://tinyurl.com/ybt4u458

[8] https://www.themarker.com/news/1.2995198

[9] https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5363613,00.html

[10] https://www.mako.co.il/news-israel/local-q3_2018/Article-28f2567fe992561004.htm

[11] https://tinyurl.com/yayxl43k; https://www.haaretz.co.il/opinions/.premium-1.6176463

[12] https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5376290,00.html

[13] https://www.mako.co.il/news-israel/local-q4_2016/Article-5edde8a26c0b851004.htm?Partner=interlink

[14] https://tinyurl.com/y95h2rr4

[15] https://tinyurl.com/y9s8lfaw

رون غيرليتس

تصوير: عدي سيجال


رون غيرليتس هو مدير عام مشارِك في جمعية “سيكوي” لدعم المساواة المدنية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *