http://forum.vanleer.org.il/ar/%d7%a8%d7%99%d7%90%d7%99%d7%95%d7%9f-%d7%a2%d7%9d-%d7%a4%d7%a8%d7%95%d7%a4-%d7%90%d7%91%d7%99%d7%94-%d7%a1%d7%a4%d7%99%d7%91%d7%a7/

أجرت المقابلة: د. سارة أوساتسكي ـ لزار

أشغل بروفيسور سبيفاك في الماضي منصب القائم بأعمال عميد بنك إسرائيل؛ وعلى مدى سنوات عديدة، كان باحثا كبيراً في برنامج الاقتصاد والمجتمع في “معهد فان لير” ويترأس اليوم “مركز مدفوعات التقاعد، التأمين والتوعية المالية” في جامعة بن غوريون في النقب.

ما هي القوة الاقتصادية الكامنة في المجتمع العربي وغير المستغَلة حتى الآن؟

أتجول في منطقة الجليل أحيانا وأفكّر، إنها بروفَنس! (منطقة في جنوب شرق فرنسا تطل على البحر الأبيض المتوسط، تجاور إيطاليا). يستطيع العرب أن يطوّروا سياحة رائعة في بلداتهم، أن يعودوا أيضا إلى بعض حِرَفهم التقليدية، أن ينتجوا وأن يبيعوا.

في مجال آخر ـ لديهم أفضلية هائلة على اليهود في العلاقات الطبيعية مع سكان الضفة الغربية، مع الأردن ومع الدول العربية عامة. روى لي النجّار الذي أتعاون معه إنه يشتري زجاجا خاصا من السعودية بأسعار مُضحكة قياسا بالأسعار هنا، وهذا مثال صغير واحد فقط. لديهم القدرة على إقامة علاقات تجارية متشعبة وشراكات. جزء كبير من المصانع في المنطقة الصناعية بَرْكان هو بملكية عرب من إسرائيل ويشغّلون فيها عمالا من المناطق. إنه نوع من الاستعمار الإسرائيلي من خلال العرب وحالة عبثية تماما، لكن الأمر فعال من الناحية الاقتصادية. في الشاحنات التي تدخل إلى غزة، أيضا، السائقون وجزء كبير من التجار المشاركين هم من العرب. وعليه، فإن القوة الكامنة هائلة وهي مرشحة للازدياد، فقط.

ما هي المعيقات الأساسية أمام الدمج الاقتصادي الكامل للعرب في إسرائيل؟

عدم معرفة اللغة الإنجليزية بصورة كافية هو عائق جدي في المهن التكنولوجية وفي تلك التي تتطلب إنشاء وإدارة علاقات دولية؛ السوق الإسرائيلية لا تستوعب، بعد، عمالا عربا مهنيين بسهولة؛ كثيرون لا يعملون، حتى الآن، في المهن التي تعلموها أو اكتسبوها؛ من المعروف أن طريقة “صديق يجلب صديقاً” هي السائدة في مجال الهايتك، بمن في ذلك خريجو الوحدة 8200 في شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) أيضا، بينما العرب لا ينتمون إلى هذه الشبكات الاجتماعية. إلا أن الوضع آخذ في التحسن بفضل تدفق الشبان العرب على التعليم الجامعي. ولكن، هنا أيضا ـ لا يزال معظم العرب يتوجهون إلى دراسة المهن التي تحظى برواتب متدنية. ثمة شواذ عن هذه القاعدة: في الصيدلة والطب.

تتعالى في المجتمع العربي أحيانا أصوات تؤيد بناء اقتصاد منفرد ومستقل، بحيث يشغّل العرب أبناء شعبهم فقط ويشترون منهم فقط. ما رأيك بهذا؟ هل هذا ممكن، أصلا، في دولة صغيرة إلى هذا الحد؟

أنا، بفطرتي، أعارض الاقتصاد المنفرد وأؤيد الدمج التام والكامل. لكن كل شيء مرهون بأين وبماذا: إذا كان مبادر هايتك من الناصرة يريد تشغيل أبناء بلده والوسط العربي عامة فهذا حسن. لكنه يحتاج، أيضا، إلى تصدير منتوجاته وإلى أن يكون على علاقة واتصال مع دوائر أوسع، بينما الانعزالية ليست هي الحل. الواقع هو أن كثيرين من اليهود بالذات يشترون من العرب، وليس العكس. وهذا، برأيي، يساهم كثيرا في تحسين ميزان القوى، لأن العربي في هذه الحالات هو صاحب الشأن واليهودي هو الزبون.

سؤال في مجال عملك الحالي: هل لديك تقدير حول وضع مدفوعات التقاعد بين العمال العرب؟

هنا، يحيلني بروفيسور سبيفاك إلى دراسة نشرها سوية مع شاحر تصيمح قبل نحو سنة واحدة[1]، يشيران فيها إلى أن 8,5% فقط من العمال العرب مؤمَّنون للتقاعد الإلزامي، رغم أنهم يشكلون 18% من العمال في الاقتصاد الإسرائيلي. هذا الوضع هو نتاج سوق العمل العربي، أساسا، والذي يتميز بالعمل غير المتواصل وفي مهن لا تشملها تسوية التأمينات التقاعدية، وحتى إن كانت مشمولة فيها ـ فإن الرواتب (فيها) متدنية والمدفوعات التقاعدية المشتقة منها متدنية أيضا.

في المقابل، يشير سبيفاك إلى سمة أخرى من سمات المجتمع العربي يسمّيها “تأمين ما بين الأجيال” في داخل العائلة. آباء وأمهات مسنون يسكنون إلى جانب أولادهم، عادة، وهؤلاء الأخيرون يدعمونهم، من الناحية الاقتصادية أيضا. لكن هذا الوضع أيضا آخذ في التغير نتيجة تطور الطبقة الوسطى في المجتمع العربي وانتقال أصحاب المهن إلى السكن خارج بلداتهم وبعيدا عن عائلاتهم الموسعة. نلاحظ أعداداً متزايدة من المسنين العرب الذين يتوجهون إلى دور المسنين، وهي ظاهرة لم تكن موجودة أو معروفة في السابق، إذ تنتقل المسؤولية عن رفاهية هؤلاء المسنين من العائلة إلى الدولة، بصورة تدريجية. صحيح أن المجتمع العربي اليوم هو مجتمع فتيّ جدا، لكن بالنظر إلى المدى البعيد ـ بسبب الهبوط الحاد في معدلات الولادة ـ سيشيخ هذا المجتمع تدريجيا وعلى ضوء التغيرات الاجتماعية المذكورة أعلاه، ينبغي التخطيط والاستعداد المسبقين للوضع الجديد الذي سينشأ.

هل لديك تفسير للفجوة ما بين الاستثمار الحكومي المكثف في توسيع ورفع معدلات التعليم العالي بين العرب، في التشغيل وفي البنى التحتية، وبين إقصائهم والتحريض العلني ضدهم من أرفع المسؤولين الرسميين، بما في ذلك “قانون القومية” الذي يرمي إلى إسباغ الشرعية الدستورية على مكانتهم التي تعاني من التمييز؟

تبيّن الاستطلاعات الإحصائية والتوقعات، على نحو واضح، أن جزءا من مستقبل إسرائيل الاقتصادي موجود في الوسط العربي. يدرك الجميع هذه الحقيقة ويتصرفون بموجبها. وأنا أعزو هذا الإدراك، بشكل أساسي، إلى “سلطة الموظفين” الذين يعملون في الاتجاه الصحيح، خلافا للسياسيين، ويدفعون إلى هناك بالسياسيين الذين ينظرون، بطبيعتهم، إلى المدى القصير فقط.

إنني أسمع، أيضا، تصريحات صادرة عن المؤسسة الرسمية مفادها أن “قانون القومية” لا يغير الوضع الاقتصادي، عمليا، وأنه لا يمسّ بالميزانيات المخصصة للخطط الخاصة التي يستفيد منها الوسط العربي. لم أسمع عن وقف أموال مخصصة، تقرر تحويلها. هذه ميزانيات حقيقية اليوم ويتم دفعها بالفعل، خلافا لما كان يجري في حالات سابقة، حين كانت الحكومات المختلفة تعلن أنها قررت رصد ميزانيات لكنها لا تقوم بتحويلها فعلياً. نذكر جيدا “قضية المليارات الأربعة” التي وُعد العرب بها في العام 2000، لكن لم يتم تحويل سوى أقل من مليار شيكل منها فقط. أعتقد أن الإدراك القائم اليوم بشأن أهمية المجتمع العربي الاقتصادية هو حقيقي ولن يحصل تراجع عنه.

ومع ذلك، أنا لست متفائلا من الناحية السياسية. إذا ما استمر الموقف العدائي تجاههم من قبل السلطة المركزية، فلا أستطيع التكهن بما سيحصل. تعلمت من بروفيسور عمانوئيل سيفان أن الشعب، أي شعب، لا ينتفض طالما كان في الحضيض تماما، وإنما حين يبدأ بالارتقاء بالذات. صحيح أن هذا القول تعميمي، إلا أنني لا أستطيع توقع التأثير المترتب عن التقدم الاقتصادي على المشاعر القومية. أعضاء الطبقة الوسطى، الذين يشكلون الأكثرية اليوم، ليسوا هم الذين يقررون الإيقاع السياسي. إنهم يعملون ويريدون الاندماج والاستقرار، بينما في السياسة ـ كل شيء ممكن.

وهل من شيء إيجابي في الختام؟

المجتمع العربي في إسرائيل هو مجتمع فتيّ ومفعم بالحياة والنشاط ويمرّ بثورة حقيقية. أناس يريدون التعلّم، العمل، الكسب والتقدم. سيطوّرون أنفسهم وستقدم لهم الدولة المساعدة، لأن لا خيار آخر أمامها. ثمة في هذا المجتمع قوة ذاتية كبيرة للتحسن والتقدم من الناحية الاقتصادية. إنني أنظر إلى النساء، بشكل خاص وأساسي، باعتبارهن محرّك النمو الأقوى. الهبوط في معدلات الولادة، الارتفاع في معدلات التعليم، القدرة العالية على الحركة والدافعية القوية ـ النساء هن اللواتي ستقُدن المجتمع العربي إلى الأمام، ومعه قطار الاقتصاد الإسرائيلي أيضا.

 

ترجم المقابلة من العبرية: سليم سلامة

[1] آفيا سبيفاك وشاحر تصيمح، مدفوعات التقاعد الإلزامية في إسرائيل وتأثيرها على عدم المساواة التقاعدية: المخاطر في منظومة مدفوعات التقاعد الجديدة، سلسلة دراسات السياسات 22، برنامج المجتمع والاقتصاد، منشورات فان لير، 2017.

بروفيسور آفيا سبيفاك


بروفيسور آفيا سبيفاك هو رئيس “مركز مدفوعات التقاعد، التأمين والتوعية المالية” في جامعة بن غوريون في النقب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *