http://forum.vanleer.org.il/ar/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ac%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a5%d8%b3%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

مقارنة مع مجتمعات حديثة أخرى، عربيّة وإسلاميّة وغيرها، تبدو الحالة الفلسطينيّة كاستثناء، لا من حيث نظام الاستعمار الاستيطانيّ القائم فيها فقط، بل من كونها تُجَسِّد البنْية الرأسماليّة/الاستعماريّة بحالتها النموذجيّة. إنّ هذه الازدواجيّة، خاصّيّة مكثّفة ونموذجيّة تجسيد العامّ، تندرج في إطار التحويرات الممكنة في نمط الإنتاج الكولونياليّ بكونه الشكل المحدّد للبنْية الرأسماليّة في عملها التوسّعيّ بالأطراف/الجنوب.[1] إنّ لحظة صياغة منظومة العلاقات التي تنتج الخاصّيّة المكثّفة والنموذجيّة الفلسطينيّتين تنبني من تفاعل طبقات المادّة التاريخيّة المُتراكمة في الفضاء/الإيقاع التماسّيّ بين نظامين اجتماعيّين اقتصاديّين؛ الرأسماليّة في لحظة توسّعها والتجاريّ-الريفيّ في تشكيلته العثمانيّة المتأخّرة والآخذة بالانحسار. فمن جانب، هنالك الطبقة الأساسيّة في المادّة التاريخيّة من التشكيلة العثمانيّة المتأخّرة وهي طرفيّة الفضاء/الإيقاع لِما بات يُعرف لاحقًا فلسطين التاريخيّة في المنظومة العثمانيّة، من حيث البنْية التحتيّة للإنتاج وإعادة الإنتاج وانشباكاتهما المتعدّدة. أمّا من الجانب الآخر، فهنالك الطبقة الأساسيّة في الرأسماليّة الصاعدة منذ أواسط القرن التاسع عشر ومادّتها التاريخيّة الأساسيّة هي مركزيّة الفضاء/الإيقاع التوسّعيّ المُستثمر في فلسطين التاريخيّة، من حيث كونها بوّابة جيو-سياسيّة للفعل الاقتصاديّ الاجتماعيّ في لحظة صعود الفورديّة وارتباطها مع مصادر الطاقة النفطيّة وآسيا عمومًا.[2] إذا نظرنا إلى هذه العمليّات الاقتصاديّة الاجتماعيّة من حيث الأحداث الشموليّة التي أفضت إليها، احتلال فلسطين في نهاية الحرب العالميّة الأولى من قبل بريطانيا، ومن ثَمّ تجهيزها للحدث المفصليّ القادم الحرب العالميّة الثانية، ونكبة 1948، نجد أنّ البنْية الاقتصاديّة الاجتماعيّة تقعّدت على نحوٍ شموليّ عبْر سلسلة من الأحداث العسكريّة. إنّ هذا التقعيد حدّد مَعالِمَ حقل التناقضات الذي يقف في أساس النظام الاستعماريّ الاستيطانيّ في فلسطين التاريخيّة، معالمه من حيث بنائه الداخليّ كما مَعالِم علاقاته مع البيئة المحيطة به، العربيّة الإسلاميّة كما النظام الرأسماليّ الأورو-أمريكيّ. يحمل حقل التناقضات هذا أشكال التعبير عنه كجزء من العمليّات البانية له، وهو يحملها من حيث منطق عملها والمادّة التاريخيّة الفلسطينيّة، مدوّنة من سلاسل من الأحداث الحسّيّة الإدراكيّة المتراكمة على شكل أنماط من الوعي. والتمييز بين منطق عمل حقل التناقضات ومادّته التاريخيّة هو خطوة تحليليّة تبتغي التوضيح، أمّا من حيث العمليّة المنتجة للشكل التعبيريّ فإنّهما جوانب من ذات الحركة، حقل التناقضات.

זוהדי קאדרי-ילדים וגדר

زهدي قادري، أطفال وجدار، اكريليك وزيت على قماش، 2006-2007، (160/90سم)

خلق، إذًا، التفاعل بين الطرفيّة والمركزيّة حقلَ تناقضاتٍ خاصًّا بفلسطين التاريخيّة يحمل الطرفيّة ويحمل المركزيّة، تَميّزَ ولا يزال بكونه ينتج ويتناتج شكلانيًّا عبْر الحركة المُكثّفة بينهما. للوهلة الأولى، من الممكن الادّعاء أنّ النزعة الطرفيّة، بما هي فضاء إيقاع، تقف في أساس الشكل التعبيريّ التشخيصيّ؛ وذلك أنّ الفضاء الإيقاع الطرفيّ يردّ إلى المادّة التاريخيّة العينيّة المتراكمة والتي تُحَتِّم، بسبب شكل حقل التناقضات الشموليّ، الالتصاقَ بالحدث الفلسطينيّ العينيّ. في مقابل هذا، تقف النزعة المركزيّة، بما هي فضاء إيقاع، في أساس الشكل التعبيريّ التجريديّ؛ وذلك أنّ الفضاء الإيقاع المركزيّ يردّ إلى نموذجيّة المادّة التاريخيّة العينيّة والتي تُحَتِّم، بسبب شكل حقل التناقضات الشموليّ، نوعًا من النموذجيّة التجريديّة كحدث بذاتها. إنّ اللافت للنظر هو أنّ كلّ عمل إبداعيّ يغرف من حقل التناقضات الفلسطينيّ يحمل النزعتين والحركة بينهما كقوى تركيبيّة في فضاء العمل الداخليّ، وذلك بغض النظر عن شكل تلقّي العمل ذاته في محيطه المباشر، وَ/أو ذلك غير المباشر. من الممكن، مبدئيًّا، تتبُّع مسار العلاقة بين النزعتين وحركتهما في كلّ عمل، بأثر رجعيّ، ومن ثَمّ استخلاص شكلها بما هو منطق تركيب للعمل الإبداعيّ الكلّيّ.[3] إنّ العمل الإبداعيّ الكلّيّ يسعى ليشمل مجمل موقعه/لحظته التاريخيّة، وفي السياق الفلسطينيّ نجده يتجسّد في أنّ كلّ تشخيص خاصّ ومكثّف يحمل تجريده النموذجيّ العامّ، وفي ذات اللحظة نجد أنّ التجريد النموذجيّ يحمل في باطنه تشخيصه الخاصّ المكثّف.

ومن هنا، فالفهم الأساسيّ الذي تحمله تجربة الإبداع الفلسطينيّة، في هذا الجانب منها على الأقلّ، هو حول علائقيّة التشخيص والتجريد، وعدم إمكانيّة حضور وَ/أو غياب أيّ منهما دون الآخر. ويتميّز كلّ حقل من حقول الإبداع الفلسطينيّة، من أدب وشعر وفنّ تشكيليّ وموسيقى ومسرح وفكر وسينما، بتفاعل عينيّ بين تاريخ الحقل، كوسيط تعبيريّ له قواعد وقوانين خاصّة به، ومادّة حقل التناقضات التي تطرّقنا إليها أعلاه في طورٍ ما من تاريخ بنْية حركتها الأساسيّة بين الخاّصّية المكثَّفة والنموذجيّة المُجسِّدة للعامّ. ومن الممكن، كخطوة أولى للانطلاق في هذا الفحص، تحديدُ استمراريّة (continuum) للنماذج المثاليّة لتحويرات الإبداع الفلسطينيّ في مقارباته لحلّ إشكاليّة حقل التناقض غير القابلة للحلّ. تبدأ هذه الاستمراريّة من نموذج أسلوب الواقعيّة اللصيقة بالحدث ولكن التي تحتّم درجةً وشكلاً محدّدَيْن من التجريد النموذجيّ لإنتاج ما يبدو على أنّه واقعيّة لصيقة الحدث عبر لغة الوسيط. ومن جانب آخر، تنتهي الاستمراريّة بنموذج الأسلوب التجريديّ البحت الذي يراوح لغة الوسيط ذاتها، ولكن في تجسيده لعمل تجريديّ عينيّ يتحتّم عليه تفعيل الخاصّيّة المُكثّفة لإنتاج هذه التجريديّة البحتة. من الممكن قياس أعمال إبداعيّة شتّى على هذه الاستمراريّة، إلاّ أنّه من الملاحَظ أنّ المبدعين/ات الفلسطينييّن/ات في المجالات المختلفة، وتحديدًا أولئك الذين مارسوا العمل الإبداعيّ “الكلّيّ”، قاموا بتشكيل أعمالهم مستخدمين جلّ الإمكانيّات القائمة على هذه الاستمراريّة. إنّ اللافت للنظر ليس استخدامهم لأنواع مختلفة من هذه النماذج المثاليّة، بل أنّ الاستخدام لدى معظمهم يبدأ من تحوير على أسلوب الواقعيّة التعبيريّة اللصيقة بالحدث، ليتدرّج من ثَمّ، بطرق مختلفة، على الاستمراريّة حتّى استخدام التجريديّة البحتة في مراحل إنتاجهم المتأخّر.

زهدي قادري، بلا عنوان، 2006، زيت على قماش، 90/100 سم

وبالرغم ممّا يبدو من هذه المداخلة من تأطير نمطيّ، تشير الأمثلة العينيّة إلى حضور هذا المسار من التحوّل في الأعمال الإبداعيّة في مجالات الثقافة التعبيريّة المختلفة، ونلاحظ أيضًا أنّ هذا المسار ليس خطّيًّا فقط، وإنّما بنْيته الزمنيّة متعدّدة بحيث قد نرى أنّ الاستمراريّة قائمة في ذات العمل الإبداعيّ بقطبيها النموذجيَّين، وقد نرى خليطًا ما منهما، وقد نرى أعمالاً ذات توجُّه قطبيّ بارز. فإن فحصنا مدوّنة أعمال حسين البرغوثي، نجده في البداية منشغلاً بالحدث وبالبحث عنه فكريًّا وجماليًّا عبر واقعيّة تعبيريّة مميّزة له تحمل نموذجيّة تجريديّة عالية، ليتدرج عبر استخدامه أنواعًا مختلفة من الكتابة الإبداعية إلى التجريد البحت باستحضاره إشكاليّات إنسانيّة عامّة من خلال مواقع طفولته ذات الخاصّيّة المكثّفة.[4] ويبدو غسّان كنفاني في محاولاته الدؤوبة للبحث عن الشكل الأدبيّ الجماليّ للمأساة كالحالة الأدبيّة بامتياز لهذه الحركة بين الخاصّيّة المكثّفة ونموذجيّة التجسيد للعامّ.[5] أمّا في الفنّ التشكيليّ فنرى، مثلاً، سري خوري يبدأ من التشكيل التشخيصيّ ليتدرّج في اتّجاه الفنّ التجريديّ. واللافت للنظر لدى هذا الفنّان هو تجلّي وعيه الحادّ بهذه الحركة بطريقة تركيبه لأعماله المتأخّرة.[6] تبدو مدوّنة إبراهيم نوباني حالة قُطبيّة بامتياز، حيث قام، ولا يزال لغاية اليوم، منذ انطلاق إنتاجه التشكيليّ باستخدام التجريد البحت، وأسَّسَ للغة بصريّة تجريديّة تطرح حلاًّ جماليًّا عبْر تجسيد نموذجيّة العامّ في حقل التناقضات الفلسطينيّ غير القابلة للحلّ بخاصّيّة مكثّفة في كلّ عمل له، كما في مدوّنته عمومًا، بحيث يبدو وكأنّه يُصادر خُلاصة الموديرنيزم، وما يوازيه مادّيًّا ودلاليًّا من فضاء إيقاع المركزيّة الرأسماليّة، ليمتلكها من جديد وليقوّلها فلسطينيًّا، وبهذا فهو يعلن أنّه الحداثيّ الأخير. وممّا يعزّز هذا التفسير أنّ الحداثيّ الأخير شكّل ركنًا مفصليًّا في عقدَيِ الثمانينيّات والتسعينيّات، تلك المرحلة التي شهدت عمليّات انتقاليّة حادّة داخل المشهد الثقافيّ الفلسطينيّ وإعادة تموضعه الجدليّ في بنْية حركة حقل التناقضات في النظام الاستعماريّ في فلسطين. إنّ الإمكانيّة الجماليّة التي يطرحها الحداثيّ الأخير، امتلاك وسائل الإنتاج الفنّيّة الحداثيّة، كانت تراوح في العديد من الأعمال التشكيليّة الأخرى إلى جانب إمكانيّات أخرى، إلاّ أنّه قام بطرحها بطريقة تستنفد حمولتها الخلاّقة عبْر إتقان مُفرِط لفعل الامتلاك المتمثّل في خلق الخلق التجريديّ من جديد.[7]

من هنا نرى إنّ استخلاص طبقات الإرث البصريّ الفنّيّ الفلسطينيّ الذي نحا باتجاه القطب التجريديّ البحت يحتّم علينا الرجوع الى محور التاريخ السياسيّ والاجتماعي، بحيث نجد إنّ هذه الطبقات تقف تزامنيًّا كبنْية تحتيّة تراكميّة للفعل التشكيليّ التجريديّ الفلسطينيّ. ومن هذا المنطلق يمكننا بناء محور يربط بين الفنّانين/ات الفلسطينيّين/ات وأعمالهم التي لا يبدو أنها ذات علاقة زمنيّة-مكانيّة مباشرة، بل هي متناثرة على محاور فضاء إيقاع الحدث الفلسطينيّ الحديث منذ العقد الثاني من القرن العشرين حتّى يومنا هذا؛ هذا المحور يحاول الربط بين الأجزاء المختلفة من حقل الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ بحسب معيار التجريد البحت، وذلك بغضّ النظر عن الزمان والمكان العينيَّيْن لتنفيذ عمليّة الإنتاج، لينشئ بينها من ثَمّ شكلاً من العلاقات هو أنموذج التجريد البحت الذي يمثّل إستراتيجيّة تعبيريّة مفصليّة في حقل التناقضات الفلسطينيّ. ضمن هذه المدوّنة نجد مثلا أعمال الفنّانين/ات: صوفي حلبي؛ جبرا إبراهيم جبرا؛ بول غراغوسيان؛ سريّ خوري؛ سامية حلبي؛ كمال بُلاّطة؛ إبراهيم نوباني، زهدي قادري وغيرهم.

 


 

[1] حول العلاقة بين المركز والهامش في النظام العالميّ، انظر:

أمين، سمير، 1980. التطوّر اللا متكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعيّة للرأسماليّة المحيطيّة. بيروت: دار الطليعة.

[2] للتوسّع في هذا الجانب، انظر -مثلاً-:

Asad, T., 1975. Anthropological Texts and Ideological Problems: An analysis of Cohen on Arab villages in Israel, Economy and Society, 4(3), 251-282.

[3] للتوسّع حول مفهوم العمل الإبداعيّ الكلّيّ، انظر:

Roberts, D., 2011. The Total Work of Art in European Modernism. N.Y.: Cornell University Press.

Finger, A., and Follett, D., (eds) 2010. The Aesthetics of Total Artwork: On borders and fragments. Baltimore: The John Hopkins University Press.

[4] للتوسّع حول أعمال حسين البرغوثي الشعريّة، انظر: البرغوثي، حسين، 2008. الآثار الشعريّة. رام الله: بيت الشعر.

[5] انظر: كنفاني، غسّان، 1998.الأعمال الكاملة، 4 أجزاء. بيروت: مؤسّسة غسّان كنفاني الثقافيّة ودار الطليعة.

[6] انظر: بُلاّطة، كمال، 2000. استحضار المكان: دراسة في الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ المعاصر. القاهرة: المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، ص 250-253.

[7] انظر: ليفني، إفرات، 2004. إبراهيم النوباني: الحيّز الوسطيّ. تل أبيب: متحف تل أبيب للفنون.

د. اسماعيل ناشف



الدكتور اسماعيل ناشف هو باحث في العلوم الاجتماعية وفلسفتها في جامعة بن غوريون في النقب. درّس في عدة جامعات فلسطينية وأجنبية. نشر العديد من الكتب العلمية والأدبية بالإضافة لأبحاث ومقالات في مجالات الأدب والفن والفلسفة وعلم الاجتماع والإنسانيات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *