http://forum.vanleer.org.il/ar/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d9%88%d8%a8-%d9%85%d9%86-%d8%b1%d8%ad%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%a1-%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86-%d9%86%d8%a7%d8%b7%d9%88%d8%b1/

الجنوب

تحمل أنامله المرتعشة مفكرة صغيرة. تتراقص وهو يقلب صفحاتها وتكاد تسقط من بين يديه، فيحكم قبضته عليها: “إذا راحت هالمفكره، راحت حياتي. صار عمري ثمانين سنه وأكثر. كله مسجّل في هالمفكره. قلت أنا راح موت والتاريخ مش راح يموت.. يمكن في ناس بدهم يموّتوا التاريخ بس لأ، كله مسجّل في هالمفكره “..

يفتح صفحه كذا.. يفضل هو أن يقرأ ما حدث.. شيخ مشقق الوجه، حين يبتسم تغور الشقوق التي تقطع وجهه طولا وعرضا، وحين يغضب يختفي منها الكثير. يحكم إطباق فكيه، فتبرز الاوردة التي تغطيها طبقة جلدية رقيقة. ترتعد أنامله حين يغضب وحين يبتسم. يرتفع صوته دائما، ففي مفكرته ما يدفعه أحيانا لأن يصرخ.. أحيانا لأن يبكي.. أحيانا لأن يسخر من هذا القدر” حكيت لك عن الجليل.. وطنّا مش بس الجليل..كنا نحمّل الدواب في الطنطوره قبل ما تشق الشمس ونمشي مع البحر لنوصل يافا والرمله، ننزّل الحمل مع غياب الشمس.. نبقى ليلة.. ثلاث ليالي.. أربعة.. ونرجع لبلدنا.. هالزيارات كنا نعملها بعد المواسم.. نطعم أهل الرمله من غلتنا وهم يطعمونا من غلتهم.. شو جاي على بالي أركب هالحمار – وأمشي طريق البحر.. لحد ما يوصلني يافا.. بس شو راح يقولوا عني ؟ مجنون ! يمكن تمسكني دورية وياخذوني لمخفر البوليس وهناك يظلوا يضربوا فيي ويرموني في البحر.. وأنا زلمه كبير تبهدلت كثير في حياتي وبعد شيبتي ما بقبل الاهانه ولا أولادي بيقبلوها الي..”

 

لم يكن سهلا علينا أن نقنع الشيخ بأن يركب السيارة معنا ونسافر إلى الجنوب، قلنا له : مع الشاطئ تقطع الطريق ونفتح شبابيك السيارة فيتسرب هواء البحر، وحين نقترب من الرمله تفوح رائحة نوار الليمون.. ترى مئذنه الجامع يا شيخ، تبقى معنا يوما أو يومين..

يطوي المفكرة الصغيرة ويدسها في جيبه.. تمتد أنامله المرتعشة إلى عقاله فيركزه على قمة رأسه، يتكئ على عكاز صنعها من السنديان.. ويقف على رجليه. ساورنا خوف بأن نفقد الشيخ على الطريق.. يموت الشيخ فتموت معالم هذا الوطن.. تسقط المفكرة في البحر فيضيع التاريخ.. أو يبقى لمن يفهمه كما يشاء وليس كما يعرفه شيخ مشقق الوجه ترتعش أنامله.. لكنه لم يفقد الذاكرة.

* سلمان ناطور، ستون عاما/ رحلة الصحراء. دار الشروق، عمان- رام الله 2009 (ص 114-116)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *