http://forum.vanleer.org.il/ar/%d8%af%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%a7%d9%87%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d8%b3%d9%83%d8%a9-%d8%aa%d8%aa%d8%a8%d9%91%d9%8f%d8%b9-%d8%ae/

استُقبلت رواية الكاتب أنطون شمّاس (من مواليد قرية فسوطة عام 1950) عربسك عند صدورها بكثير من الحفاوة الأدبيّة والسياسيّة، وألهبت أَخْيِلة النقّاد والباحثين الذين عملوا على تناولها بالتحليل من جوانب شتّى. المفاجأة الأولى تمثّلت في أنّ كاتبًا عربيًّا يكتب بلغة عبريّة فخمة وثريّة تحمل في طيّاتها معانيَ ومستوياتٍ عميقةً قلّما يُعثر عليها في كتابات أدباء عبريّين، ويُنتِج عملاً أدبيًّا يتكاتب مع أعمال أدبيّة لمبدعين يهود بارزين، الأمر الذي دفع الكثير من الباحثين الأدبيين للكتابة حول حول “التناصّ” ((Intertextuality في هذه الرواية (غلوزمان، 2003). ترتكز أحداث الرواية على سيرة حياة الكاتب الحقيقيّة وعلى حالته المدنيّة السياسيّة كعربيّ مسيحيّ مواطن دولة إسرائيل مولود في وطنه بعد أحداث النكبة بعامين. ويكتب حنان حيفر (2013): “لقد سعى أنطون شمّاس من خلال روايته هذه إلى تأسيس هُويّة إسرائيليّة قوميّة تضمّ بين ثناياها اليهود والعرب كأصحاب هُويّة وطنيّة جديدة مشتركة، ولم يكتفِ بمواطَنة مشتركة وحقوق وواجبات متساوية. لقد أسّس شمّاس في رواية عربسك قوميّة إسرائيليّة، وكَتَب الرواية في إطارها ومن أجلها. وعلى نحو ما قال هو نفسه بصريح العبارة، إنّ عربسك هي رواية إسرائيليّة أكثر بكثير من أعمال أدبيّة أخرى تُكتب وتصدر في إسرائيل”.

تطرّق شماس بنفسه إلى هذه المواضيع في الكثير من مقالاته، وفي المقابلات التي أجريت معه بعد صدور الكتاب، وفي السنوات التي تلت ذلك. في كتاباته غير الأدبيّة يتحدّث بوضوح وبلغة مباشرة أكثر حول مواقفه السياسيّة وآرائه حول ماضي الشعبين في هذه الديار وحاضرهما ومستقبلهما. غادر شمّاس البلاد منذ سنوات عديدة، وهو يعيش الآن في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ولم يكتب أيّة رواية بعد النجاح الذي لقيته روايته الأولى والوحيدة.

من هذا الكتاب الغنيّ اخترت أن أناقش في عجالة أبعادَ الزمن في الرواية، حيث يتّضح بعد قراءات عديدة أنّها صعبة المنال وعصيّة أكثر وأكثر. حتّى من خلال التصفّح العابر للرواية، يتبيّن أنّ كلّ صفحة تقريبًا تضمّ تاريخًا معيّنًا- إشارة إلى عام، أو شهر، أو يوم محدّد، أو عيد، أو ساعة. في الغالب، تأتي الرواية على ذكر الأحداث التاريخيّة الحقيقيّة من منظور الناس العاديّين الذين لم يكونوا في قلب الحدث، على الرغم من التأثير البالغ لهذه الأحداث على حياتهم. الفوضى العارمة للأزمنة تهيمن على الكتاب، وثمّة “فوضى” في التسلسل الزمنيّ، وقفزات كبيرة بين الماضي والحاضر والعودة عبر تداعيات حرّة، وانتقالات سلسة وشبه طبيعيّة بين العامَيْن 1928 وَ 1982، أو بين الثاني عشر من آذار عام 1982 والثاني من أيلول في سنة غير معلومة. يطلق الكاتب العِنانَ المطلق للعالم الداخليّ للذاكرة التي قادت القصّة، ولا يحاول التخفيف عن نفسه أو عن القارئ من خلال ترتيب الأحداث حسب تسلسلها الزمنيّ.

على الرغم من أنّ الرواية تحفل بالتواريخ التي حصلت فيها أحداث تاريخيّة حاسمة، لا يهتمّ شمّاس إلّا بما يحصل لشخصيّاته، ولأبناء عائلته ولقريته في خضمّها. ثمّة أمثلة عديدة على هذا الأمر على امتداد الرواية، وإلى جوارها تطرُّقٌ غير دقيق للأزمنة كقوله: في نهاية “الخمسينيّات”، أو: “في عشرينيّات القرن”، أو: “في أيّام صوم الأربعين”، أو: “في موسم زراعة الدخان”، أو: “عندما كانت قطّة خالي يوسف تموء في حالة من الهيجان الجنسيّ”. الفوضى العارمة في تسلسل الحبكة تبدأ في الصفحة الأولى التي يوصف فيها جنبًا إلى جنب في تداخل واضح موتُ الجدّة “عَليا” في الأوّل من نيسان عام 1954، وموتُ ابنها (والد الكاتب) “بعد مضيّ أربعة وعشرين عامًا على شهر نيسان المذكور”.

تقصّي أثر التسلسل الزمنيّ العائليّ الذي يُروى بقفزات وبحركات زُخرُفيّة (عربسكات) واسعة وقصيرة، هذا التقصّي متعرّج وشائك. وقائع الأحداث والحروب والتغيّرات التي طرأت على قرية فسّوطة في السنين المئة الأخيرة تتّضح ببطء شديد، ومن خلال “تلصيق” شظايا حكايات والمضيّ قُدُمًا أو العودة إلى الوراء في الزمن. الفصول الوحيدة التي تُقَصّ الأحداث فيها بصيغة الحاضر هي تلك التي تكتب في “آيوا سيتي”، حيث يمكث الكاتب بعيدًا عن وطنه للمشاركة في سمينار دوليّ لكتّاب من جميع أنحاء العالم، ويتصرّف هناك كطالب في ورشة للكتابة، ويوفي بأحداث اليوم على نحو واضح وصريح: “ها أنا أجلس في آيوا سيتي بعد أكثر من عشرين عامًا على مغادرة بيت الطفولة، وها أنا أشعر للمرّة الأولى بعد سنوات طويلة أنّني أستطيع استحضار بيت طفولتي في القرية بروائحه وأحاسيسه وصوره”.

أنواع الزمن في عربسك تتراوح بين الزمن التاريخيّ والزمن الأسطوريّ، وبين الزمن السياسيّ والزمن الفرديّ، وبين الزمن المسيحيّ والزمن الوثنيّ، وبين فصول السنة وسنوات حياة الإنسان من الولادة حتّى الممات. الماضي هو فوضى عارمة في ذاكرة الراوي، ويختلط فيه الواقع والمختلَق مع الحكايات الخرافيّة والمعتقدات والمشاهد والروائح والأصوات والنكهات. على الرغم من أنّ الذكريات تتزاحم في خيال كلّ منّا، وحتّى لدى الكتّاب منّا، دونما أيّ ترتيب، لكن في حالة شمّاس قامت قوى خارجيّة بتهميش الزمان والمكان، وفاقمت من حالة الفوضى المذكورة التي لا يستطيع الراوي الانعتاق منها.

مراوغة الزمن، وحالته المؤقّتة، وسرمديّته ولا-سرمديّته، ومغزى الأزل مقابل حياة الفرد القصيرة، وتبدّل الفصول ودورة الطبيعة، كلّ هذه قضايا شغلت الفلاسفة على مرّ العصور، ودخلت إلى الأعمال الأدبيّة بكلّ أطيافها ومستوياتها. التناقض الهيكليّ بين دورةِ الليل والنهار والشمس والقمر وفصول السنة، من جهة، وخطِِّ حياتنا المستقيم منذ الولادة حتّى الممات، من جهة أخرى، هذا التناقض شكّل مصدرًا للارتباك والتساؤلات العميقة، وما انفكّ يدفع بالإنسان نحو اتّجاهات مختلفة ومتباينة: بدءًا من الإيمان بقوّة عليا قادرة على كلّ شيء، مرورًا بمحاولة استقصاء الطبيعة وترشيدها، وصولًا إلى العدميّة التشكّكيّة. الزمن مفهوم سياسيّ، وعلى هذا النحو يجري توظيفه كأداة لصياغة الثقافات والهُويّات. توقَّفَ علماء الاجتماع والانثروبولوجيا عند الفروق الشاسعة في مفهوم الزمن بين الثقافات المختلفة، وأظهر بعضهم أنّ تأطير الأحداث في زمن محدّد يُستخدم كأداة لتصميم الهُويّة وتأسيس سرديّة تاريخيّة، أو لغرض سيطرة مجموعات مهيمنة على مجموعات أصلانيّة من خلال التحكّم بزمنها (جمّال 2008).

البحث المؤسِّس حول أشكال الزمن والزمكانيّة (“الخرونوطوب”) في الرواية، ذاك الذي قام به ميخائيل باختين ونشره، يجسّد الرابط بين ثلاثة مكوّنات الجانر (النوع الأدبيّ): خصوصيّة الحيّز والزمن اللذين تتطوّر فيهما أحداث القصّة؛ وزاوية نظر الراوي المتفرّدة؛ والرمزيّة التي تنغرس جذورها في المستويات المبكّرة والأوّليّة للميثولوجيا. على ما يبدو، ليس ثمّة طريقة أفضل من هذه لوصف رواية عربسك. محاولة قَصّ حكايات متشابكة “تتحاضن تارة، وتنفصل تارة أخرى، تتماوج وتنجدل وتتشابك داخل الرقشة اللانهائيّة للذاكرة”، هذه المحاولة تتحطّم في نهاية المطاف على صخرة الزمان والمكان اللذين يعيش الكاتب داخلهما، ولم يتبقَّ له سوى تجميعها في شِواله، وتنقية رأسه من داخل الشظايا والسفر بعيدًا إلى ما وراء البحار.

بودّي أن أعرض مفهوم ” الزمن المشظَّى” كتوصيف ملائم لمفهوم الزمن في هذه الرواية، وهو مفهوم يلائم روايات فلسطينيّة أخرى. هذه القصّة مبنيّة من كِسرات وشظايا جمعها الكاتب كطفل وكبالغ وكقارئ وكمستمع، كابن هذه البلاد وكسائح، وكشاعر مرهف الحسّ، وككاتب مقالة يحمل في جَعبته مِبْضعًا حادًّا. لكنّه لا يحاول سَبْكَ هذه الشظايا ليكوّن منها صورة متكاملة للعالَم، وذلك أنّ هذا العالَم الذي يحيط به، عامًّا كان أَم خاصًّا، قد تَحطّم وتناثرت شظاياه، وما من طريقة للتعامل معه ككاتب إلّا السعي لشقّ طريق بين الشظايا وداخلها وتوصيفها شظيّة إثر شظيّة بنوع من العشوائيّة الزمنيّة، ودونما حبكة تعتمد التشويق، تمامًا كما هي-أجزاء قصّة مهشّمة.

.

الزمن الفلسطيني المشظَّى يرافق أنطون شمّاس على امتداد حياته، ويأخذ شكلًا ملموسًا وتهكّميًّا في صورة النهاية التي تقدّمها الرواية، عندما يُستدعى اليهوديّ دافيد “خبير المتفجرات” المرخَّص من قبل السلطات لتفجير منطقة صخريّة وعريّة في أحد أطراف القرية الذي اعتاد الأطفال أن يلهوا فيه، وذلك لغرض بناء منزل عصريّ. شظايا الصخرة المتطايرة “تأخّرت لبعض الوقت في السماء، لكنّها تهاوت في النهاية على رؤوسنا، فارتفعت غيمة غبار من المكان الذي جثمت فيه الصخرة منذ اليوم الذي وضعها أهل الجنّ على فتحة مغارة موتاهم”.

تَتَبُّعُ خطى الزمن الداخليّ لهذا العمل الأدبيّ، الزمن “العربسكيّ” الخاصّ، الزمن المتعرّج، والمضلِّل، لا يُفضي إلى نقطة نهاية، ولا إلى انبلاج أو حلّ أو فكّ للعقدة. إنّه أمثولة عميقة للحالة الوجوديّة التي نعيشها جميعا في هذه الديار.

 

_________________________________________________________

* ترجم المقال من العبرية: جلال حسن

مَصادر

בכטין, מיכאיל, (2007) צורות הזמן והכרונוטופ ברומן: מסה על פואטיקה הסטורית, דביר ואוניברסיטת בן גוריון.

גלוזמן, מיכאל, (תשס”ג) “לזרוק פחית משקה אל תוך ה’ברכה’ של ביאליק: אינטרטקסטואליות וזהות פוסטקולוניאלית ב’ערבסקות’ של אנטון שמאס”, מחקרי ירושלים בספרות עברית י”ט, ע”מ 1 – 21.

ג’מאל, אמל, (2008) “על תלאות הזמן המוגזע”, בתוך: יהודה שנהב ויוסי יונה (עורכים) הגזענות בישראל, מכון ון ליר בירושלים והוצאת הקיבוץ המאוחד, ע”מ348 – 380.

חבר, חנן, (1991) “עברית בעטו של ערבי: שישה פרקים על “ערבסקות” מאת אנטון שמאס”, תיאוריה וביקורת 1, ע”מ 23 – 38.

חבר, חנן, (2013) “השיח החדש בישראל: עשרים וחמש שנה להופעת “ערבסקות”, תיאוריה וביקורת 41, ע”מ 299 – 310.

מרגולין, ברוריה, (תשנ”ו) המיקוד התחבירי בסיפורת העברית ובסיפורת הפלסטינית בנות זמננו: דיון השוואתי והמחשתו בערבסקותלאנטון שמאס, עבודת דוקטוראט, המחלקה ללשון עברית אוניברסיטת בר אילן.

שמאס, אנטון (עורך), (1974) בשני קולות, קובץ דו לשוני מיצירותיהם של משוררים וסופרים ערבים ויהודים, בית הגפן, חיפה.

שמאס, אנטון, “יומן קריאה”, בתוך: אלוף הראבן (עורך), (1981) אחד מכל שישה ישראלים, ון ליר, ירושלים

د. ساره اوساتسكي-لزار


د. ساره اوساتسكي-لزار هي زميلة بحث في معهد فان لير، وتعمل في مجال دراسات المجتمع العربي في اسرائيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *