http://forum.vanleer.org.il/ar/%d9%81%d8%b1%d8%b6%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d8%af%d8%a7%d9%86-%d9%83%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%91%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7-%d9%88%d8%b7%d9%86-%d8%a3%d8%b3%d8%af-%d8%b9%d8%b2%d9%91/

 

يمكننا القول بأنّ ما يُسمّى الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ هو عبارة عن عشوائيات فردية وجماعية ارتقت بفعل النكبة وبعدها إلى خصوصية فريدة وخلّاقة لم نرها في تاريخ الحضارة الإنسانية.

إنها حالة فلسطينية بامتياز (يمكن أن نضيف إليها قسط من حالة عربية وبعض من العالم الثالث والنامي)، حالة تقطع أوصال الوطن والمجتمع وتشرد أبنائه في أقاصي الأرض ومغاربها، بحيث اجتز الإنسان الفلسطيني من جذوره وأفاق بين ليلة وضحاها سجين غربته (حتى من تبقى منه في دياره ومن كان قد هُجِّر أو هاجر خوفا من الموت)، شعب سلب منه بيته وأرضه وأقصي غالبيته عن مكانه وناسه، وأصبح الفلسطيني أينما تواجد يفتقد وطن كمكان يحتويه يحميه ويمنحه الاستقرار والأمان لتكوين حياة رتيبة.

قراءة هذا الواقع دون إسراف تمنحنا مواكبة تطور إحدى ظواهر الحضارة البشرية الفذّة على الإطلاق دون حاجة أن نبتدع بشكل اعتباطي بدايات غير ممنهجة منذ القرن التاسع عشر، أو البحث عن رسّام هنا وآخر هناك كانوا قد أحبوا الفنّ وأجادوه ودرّسوه لبعض المريدين، أو أنّهم شكّلوا أيقونات في كنائس،(أمثال نقولا الصايغ 1930 وجريس جوهرية 1910) أو رسموا بورتريتهات لشخصيات تاريخيّة، أمثال زلفة السعدي (1905-1988)، أو مناظر طبيعيّة وطبيعة صامتة بأساليب المدارس الأوروبيّة التي كانت شائعة آنذاك، أمثال مبارك سعد وداود زلاطيمو وصوفي حلبي وغيرهم.

هذا لا يعني أنّه لم يكن هناك حِراك فنّيّ في فلسطين في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولكن باعتقادي، لم يشكّل هذا الحراك مرجعيّة فلسفيّة أو عقائديّة معلومة وملحوظة لما تلاه من تطور في التقنيات والأساليب والمضامين الفنيّة لخلق حركة رائدة كتلك التي أريد أن أسلّط عليها الضوء في هذا المقال (تماما مثلما لم يشكّل الحراك الفنّيّ في أميركا حتى بداية القرن العشرين أرضيّة تشكيليّة حقيقيّة وصلبة لبداية ما يعرف اليوم بالفنّ الأمريكي المعاصر، والمتمثّل بالحركة التعبيريّة التجريديّة أي “مدرسة نيو-يورك”. كما أنّ ثمّة فروق هائلة بين كل ما كان في فلسطين حلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وما تأتّى لها بعد نكبة عام 1948. من شعب كان يعيش على تراب أرضه، بين أهله وصحبته (حتى وان كان هذا تحت نير الاستعمار البريطانيّ) بحيث يمارس ما منحه إيّاه المستعمر من مساحات متاحة للتعبير والتسليّة، ليتحول في نهاية المطاف إلى شعب يعيش في خيام الغربة، مهدّدًا بالموت جوعًا وعطشًا، أو بالطرد والقتل. شعوب كثيرة بالإمكان مقارنة ما حصل لها مثل الشعب الفلسطينيّ، بحيث هلكت بالتماهي وفقدان الهوية (مثل الهنود في أميركا وسكان استراليا الأصليّين وشعوب أفريقيا بكافة أعراقها وجغرافيتها). أمّا هذا الشعب، أعني الشعب الفلسطينيّ، فقد ارتأى أن يسجّل مأساته بالصور الفوتوغرافية أثناء الهجيج والخوف، ويقيم المشافي والمدارس في المخيّمات حيثما وريثما أقيمت٬ شعب رسم آلامه وهمومه بالدّم ورفع صوته وأشهر قضيته على الملأ أمثال خليل رعد (1891-1948)، جوليانا ساروفيم (1934)، إسماعيل شمّوط (1930-2006)، إبراهيم غنّام (1931-1984)، مصطفى الحلاج (1938)، وناجي العلي (1937-1987).

كما وتشكّلت الهويّة الفنيّة من خلال أعمال إبداعية عديدة في مجالات مختلفة: كالمسرح، والرواية، والقصيدة، والأغنية، واللوحة والجدارية والتمثال. فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد مسرح الحكواتي، وأغاني فرقة العاشقين، وموسيقى فرقة صابرين، وسرديات اميل حبيبي، وقصص غسان كنفاني، وشعر راشد حسين وسميح القاسم ومحمود درويش وغيرهم الكثير.

 

לכידה

أسد عزّي، العم جبر علي عزي، زيت على رزنامة 41-55 سم 2016

شعب شكّل له تواجدًا ايدو- ثقافي بالكلمات والألوان والرقصات، فعبّر عن فظاعة المأساة وكبر الفاجعة، ولكنّه أعلن أيضا عن إصراره على مقاومة الغبن، واستعادة الإرادة، وتوظيف مقدراته ومواهبه للوقوف باستقامة المجاهد، كمن له الحقّ باسترجاعه. إنّه فنّ المناضل المقاوم، لكنّه أيضا المجدّد والمبتكر والمفاجئ.

منذ البدايات وإلى يومنا هذا كل خطّ يخطّه مبدع فلسطينيّ، وكلّ حكاية يحيكها، كلّ قصيدة وأنشودة يغنّيها، تصبّ كلّها في تشكيل خارطة كيانه الحضاريّة، الثقافيّة، الإنسانيّة والسياسيّة، مشكّلا بذلك هويّة لا يمكن تجاوزها. الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ في الداخل، وفي بلاد العرب المختلفة والمهجر البعيد، كان وما زال متفرّدا بتهجينه للغات تشكيليّة مختلفة، وأحيانًا متضادّة، حيث آثر الفنّان الفلسطينيّ أينما كان على تطويعها لمتطلباته الجماليّة المتضاربة، المركّبة، والمعقدة. كما نرى أنّه سلك مناهج السرديّة التاريخيّة، هذا بالإضافة للرمزيّة والتراثيّة والثوريّة، وذلك من أجل التعبير والتدليل على الواقع الشخصيّ من جهة، والجماعيّ من جهة أخرى. إنّه عبارة عن تصوير زخم للذات الفلسطينيّة التي فرضت على كل مبدع، مخلص لقضيته، أن يطوّر لغته التشكيليّة وكأنّها سلاح يحمله للمقاومة، بل هي التي كانت أنجعها في الظروف السياسيّة المحليّة والعالميّة المواتية. فعلى سبيل المثال نرى مجموعة من الفنّانين التشكيليّين الفلسطينيّين أمثال عبد عابدي، وليد أبو شقرة، تمام الأكحل، فلادمير تماري وغيرهم من الذين حملوا الهمّ السياسيّ ووظّفوه من خلال أعمالهم المختلفة.

في الفنّ الفلسطينيّ المتجدّد لم يكن هناك تحفّظ على النزعة التجريبيّة والطبيعة الطلائعية التي اتّسم بها هذا الفنّ. فهكذا نرى محاولات الرسم بمواد بديلة كالحناء والجلد ( نبيل عناني)، والتراب المخلوط بالتبن (سليمان منصور، وأسد عزي)، والحرق على الخشب (تيسير بركات)، وبقايا نفايات معمارية (جواد المالحي)، ومواد زركشيّة بلاستيكيّة رخيصة الصنع (طالب دويك)، ومواد غير متوقعة أخرى. ثم يمكننا ذكر التجديد في الوسائل والتقنيات كإقحام الرسم بالنحت بالعمل اليدوي بروح الدعابة (أشرف فواخري)، وتمزيق القماش والصاق خشب العمار وقطع الحديد المستعملة (زهدي قادري). زد على ذلك بالنسبة للمساحة الحرّة التي كانت من رصيد مشاركة المرأة في حركة وتجديد الفنّ التشكيليّ الفلسطينيّ، سواء في المضامين أو في الأساليب. يرجع السبب، حسب تقديري لكون كلّ هذه الإبداعات كانت عبارة عن نوع من المقاومة، إمّا للداخل العربيّ المتخاذل والتقليديّ والرجعيّ، أو للخارج المتجاهل، الممانع، القامع والمنتفع. فنجد الفنّ النسويّ الخطابيّ يشاكس ويرفع سبّابة الاتهام بوجه الرجل الشرقيّ وتراث مفاهيمه الذكوريّة المهمّشة لدور المرأة في مسارح الحياة. أسماء مهمّة في حركة التشكيل الفنّيّ الفلسطينيّ أمثال: حنان أبو حسين، رائدة سعادة، فاطمة أبو رومي، ليلى الشوّا،  نبيلة حلمي، جمانة اميل عبّود، منار زعبي، منال محاميد، أنيسة أشقر وغيرهن الكثيرات.

לכידה

أنيسة أشقر، احن الى خبز امي (محمود درويش)، 2005. تصوير: روني كورين
الحقوق محفوظة لبيت الكرمة، المركز الثقافي العربي اليهودي، حيفا

 

كان وما زال على المبدع الفلسطينيّ أن يخلق نفسه من جديد، بلغة مستحدثة، بعيدًا عن بريق أضواء المتاحف وجدران الصالات، بعيدًا عن إملاءات المكان والزمان. كان فضاؤه مفتوحًا، فاستعار، وركّب، وفكّك، ومزج، فكان أوّل من بشّر بطبيعة فنّ “ما بعد المعاصر” أي “البوست مودرن”، فلا حرج فيه لسمات التغريب، والترقيع، والانتقائية، والاستعارة، وتماهي أحداوية المكان والزمان، وثورية استعمال المواد في صنع الحدث التشكيليّ المفاجئ والغير متوقع. إنّه يحمل في عروقه العفويّة المتزامنة بالدقّة والالتزام، كما يحمل تلك السرديّة المشفّرة والرمزيّة التي نعرفها أيضأ في الأدب الفلسطينيّ. إنّه الفنان الذي يبدع بلغات تشكيليّة مختلفة ومتضاربة، وبأساليب متعدّدة بنزعات فكريّة محليّة، وأخرى تركيبيّة فتفكيكيّة، وغيرها من المدارس الفنيّة التقليديّة كالإدراكية والتعبيريّة والواقعيّة والرمزيّة الغربيّة (كأعمال أحمد كنعان، إبراهيم نوباني، خالد حوراني، أسامة سعيد، ميخائيل حلاق وغيرهم). 

هذا التنوع والتعدّد قد واكب الحِراك التشكيليّ الفلسطينيّ في كل مكان تواجدت فيه الذات الفلسطينيّة بمستويات تقنيّة وإدراكيّة مختلفة، فكان فنّ الجداريّات (لغة الشارع المباشرة)ـ ألا هو فنّ العامّة، فنّ الشّعب الذي عبّر من خلاله عن غضبه وآلامه بنصوص وشعارات مقروءة، ومفهومة ومتاحة للقاصي والداني، وقد شكّلت أحيانا سرًا، وعلى وجه السرعة لكي لا يكشفها الرقيب فيزيلها. لقد رأينا كيف أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي قد فرض على شبّان فلسطينيّين مَحْوَ تلك الجداريّات التي من هذا النوع لكونها معبّئة للجماهير، ومُناوِرَة للمحتل، ومناهضة للاحتلال.

وكان فنّ الصحافة، وخاصة فنّ الكاريكاتير الساخر بطبيعته، ألذي قُتل أحد روّاده  بسبب نقده اللاذع والساخر (ناجي العليّ). وكان فنّ التسجيل بواسطة الفيديو، الذي انتهج صفة الوثائقيّة، فدوّن بالكلمة والصورة أفعالًا مشينة لجيش الاحتلال، وقطعان المستوطنين، كما سجّل حياة الفلسطينيّ وظروف عذاباته من خلال أعمال رائدة في الفنّ التشكيليّ كأعمال رائدة أدون، إميلي أبو جاسر، منار زعبي، منال محاميد، بشّار الحروب وغيرهم. وهناك التصوير الفوتوغرافي الذي أوصل الصور الواقعيّة التي لا غبار عليها لما يمرّ به الشعب الفلسطينيّ من مآسٍ مختلفة، سواء هنا، أو في أماكن أخرى من الشرق العربيّ (أحلام شبلي، مهند يعقوبي وآخرين). كما وأتى المشهد التركيبيّ /التنصيبي فمسْرّحَ الحالةَ بجلّها بجرعات مقتضبة ومركّزة، فكانت على الغالب قاسية المفعول (كأعمال أنيسة اشقر).

من خلال قراءة التاريخ الفلسطينيّ المعاصر نرى إنّه كان هناك دائمًا من يحارب المبدع الفلسطينيّ ويحاول القضاء عليه وكتم صوته، فكأنّ إخماد الصوت الفلسطينيّ كان مهمّة عربيّة قبل أن تكون أجنبية. بالرغم من ذلك، نجد لغات فنيّة مستجدّة قام بتأليفها الفنّان الفلسطينيّ فوصل بها إلى العالميّة، فكشفت عن قدراته وفنّه وهمّه الجمعيّ في متاحف الدول الغربيّة. وبهذا أثبت الفنّان الفلسطينيّ أنّه إبداع يستحقّ العرض والتقدير، ورسالة إنسانيّة يجب الالتفات إليها. إنّه فنّ شعب سُلب منه وطنه فخلق له أشكالًا من الأوطان البديلة: شعرًا، ورواية، وفيلمًا، ومسرحًا ولوحة (منى حاطوم، سامية حلبي، كمال بلاطة، بشير مخول، عيسى ذيبي وغيرهم).فنّ بدون صالات عرض، ولا متاحف، لا نقّاد للفنّ، ولا مؤرّخين له، ولا مقتنيين، ودون مؤسّسات راعية، كل هذه الأسباب كان يمكن أن تُجهض تمامًا كل عمليّة للإبداع الفنيّ الفلسطينيّ، أو على الأقل  تسلبه لبّه، إلا أنّها بالأخير صبّت كلّها في صالحِهِ، فأضحى فنّ حرّ، متمرد، زخم، لا رقيب يرقبه، فغدا يعرّف نفسه بنفسه، ويحدّد الممنوع والمتاح، إنّه فنّ منحته الظروف الفرصة لخرق المعهود والمألوف في الأعراف التقليدية الفنيّة فاستجاب لها.

أضف إلى الحالة هذه تزامنها مع انفراط وانفلات الهيمنة الأمريكيّة على الفنّ المرئيّ العالميّ، وانتقال مراكز القوى إلى مدن أخرى، وخاصة إلى أوروبا، كبرلين ولندن وميلانو وبرشلونة. ثم هناك ظاهرة كسر الطوق حول دول العالم الثالث، وإقامة معارض موسميّة للفنون في اسطنبول والشارقة وغيرها من بقاع الأرض، بحيث تجذّرت فكرة اللا-مركزيّة وتعدديّة المدارس والمذاهب في الفنّ التشكيليّ المعاصر، فلم يعد هناك مفعول  للنقد والتقويم والتحكيم السائد والمهيمن من الغرب، فضاع المعيار بين الراقي والهابط، بين الشعبيّ والمتداول، وبين المنتقى والأسمى. وهكذا نرى بأنّ المقتني، حامل الدرهم والدينار، هو الذي أصبح يحدّد السعر والذوق الفنّيّ العالميّ، وهو الذي يقرّر ما هو المطلوب والباهظ الثمن، وما هو خارج المعادلة أو المنبوذ من صالات العرض. هنا يجب أن أنوّه بأنّ المقتنيين الكبار كانوا وما زالوا أصحاب الثروة الأغنياء، وأصحاب المصالح، الذين همّهم المتاجرة بالفنّ وإبراز ما هو المريح والمسلّي، لذلك كان أوّل المتضررين من هذه الظاهرة هي فنون العالم الثالث التي تستمدّ إلهامها من آلام وهموم الشعب، فتعرض في المحافل الدولية كبادرة حسن نيّة من أقطاب العالم الغنيّ، ثم تتوارى بسرعة وتختفي عن الأعين إلى غير رجعة.

بهذا السياق أرى أنّ الحركة التشكيليّة الفلسطينيّة، والتي تعتبر فتيّة العهد والتجربة، هي أوّل من عانت وتعاني من محاربة وتجاهل الجهات التي تملك الذراع والباع في المحافل الفنيّة المهمّة في العالم، لأنّ قبولها عند الآخر لم يعد أمرًا فنيًا ثقافيًا وتربويًا فحسب، بل يجرّ معه إلى المنصّة قضيّة وهويّة يريد الكثيرين طمسها وتناسيها. أي نعم، هذه الهويّة الفنيّة واضحة المعالم يرسم ملامحها أفراد وجماعات صغيرة من الفنّانين والفنّانات، إلّا أنّها في كل الحالات وبكل الأساليب والخامات، وأينما وُجِدَت فهي  تؤدّي وظيفة الجهاد الفنّيّ للوجود والتواجد. إنّها هويّة من افتقد وطنه أرضًا ومسكنًا، لكنّه يصنع حضورًا تاريخيًّا مستقلًا ليصبح شعبًا معروفًا يُحتفَى به فيشارك أينما تواجد بتطوير وبناء البلاد بشتى المجالات والمهن، لكنه لم ينسَ أبدًا حنينه وحبّه لبلاد الأجداد، وخاصة أنّ له فيها إنسان وذكريات للمكان والزمان. 

أسد عزّي


اسد عزي هو فنان تشكيلي ومدرّس فنون في جامعه حيفا وفي أكاديمية الفنون في بيت بيرل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *