http://forum.vanleer.org.il/ar/%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%aa-%d9%88%d8%ac%d9%87%d8%a7%d8%b2-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%ad%d9%91%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a5%d8%b3%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%88%d8%b1%d9%84%d9%8a-%d9%85/

قبل مدّة وجيزة، خصّصت المجلّة العلميّة “لانست” (وهي إحدى المجلّات الرياديّة والعريقة في العالم في مجال الطبّ والصحّة) أحد أعدادها لموضوع “الصحّة في إسرائيل” (هنا). ويعكس هذا العدد تغيُّرًا ملحوظًا في تعامل المجلّة مع إسرائيل، حيث قامت خلال حملة “تسوك إيتان” (“الجرف الصامد”) في صيف العام 2014 بنشر مقالة تحت عنوان ”Open Letter to the People of Gaza“ تميّزت -برأي الكثيرين- بنزعة عدائيّة شديدة اللهجة تجاه إسرائيل. لقي المقال ردود فعل حادّة وقاسية من قِبَل الكثير من الباحثين في أرجاء العالم، وهجومًا كاسحًا على محرّر المجلّة الرئيسيّ البروفيسور ريتشارد هورطون، حتّى إنّ بعض هؤلاء دعَوْا إلى مقاطعة المجلّة ومحرّرها الرئيسيّ. في المقابل، تبنّى باحثان من إسرائيل توجُّهًا معاكسًا؛ فقد قام البروفيسور كارل سكوريتسكي من التخنيون، والبروفيسور مارك كارفيلد من جامعة بن غوريون في النقب، بدعوة البروفيسور هورطون إلى زيارة إسرائيل للاطّلاع عن كثب على الواقع الإسرائيليّ بعامّة، وعلى الجهاز الصحّيّ على نحو خاصّ.

تنشر مجلّة “لانست” من حين إلى آخر استعراضات شاملة للجهاز الصحّيّ في دولة معيّنة، بغية النهوض بنظرة عالميّة شاملة على موضوع الصحّة والطبّ. ومن بين الدول التي حظيت حتّى الآن بهذه التغطية نذكر: البرازيل وكوريا الجنوبيّة وفرنسا ومناطق السلطة الفلسطينيّة. على ضوء زيارة البروفيسور هورطون للبلاد، عُرضت فكرة قيام المجلّة بتوفير منصّة لعرض الجهاز الصحّيّ في إسرائيل، فاستجاب لها عدد من الأطبّاء والباحثين في جهاز الصحّة في إسرائيل مع عدد من الجهات المؤسّسيّة، من بينها وزارة الصحّة، ومستشفى رمبام في حيفا، وجامعة بن غوريون في النقب، ونقابة الأطبّاء، والمعهد القوميّ لأبحاث الصحّة والسياسات الصحّيّة، وجرت كتابة سلسلة من المقالات في مجالات متنوّعة.

محرّرو سلسلة المقالات هم البروفيسور مارك كارفيلد من جامعة بن غوريون، والبروفيسور زاهر عزّام من مستشفى رمبام، والبروفيسورة أورلي مانور من الجامعة العبريّة. تضمّ السلسلة أحد عشر مقالًا، خمسة من بينها شاملة وستّة مقتضبة، وتتناول المواضيع التالية: تاريخ الجهاز الصحّيّ في إسرائيل؛ صحّة الأمّ والطفل؛ تحدّيات العلاج الطبّيّ للمسنّين؛ فجوات في الصحّة؛ صحّة المرأة؛ الوراثيّات الطبّيّة لدى شرائح سكّانيّة متنوّعة؛ الأخلاقيّات الطبّيّة؛ إسرائيل كدولة مبادرات في العلوم الاجتماعيّة؛ الصحّة الرقْميّة (الديغيتاليّة)؛ التثقيف الطبّيّ. إلى ذلك أُدْرِجَ في العدد استعراض مقتضب للمساعَدات التي تُقدَّم للمصابين من الحرب الأهليّة في سوريا. تكشف المقالات النقاب عن إنجازات الجهاز الطبّيّ في إسرائيل، وتتناول تنويعة التحدّيات التي تواجه هذا الجهاز، وتشمل كذلك توصيات موجَّهة إلى صُنّاع القرار.

تتناول المقالة الأولى قانون التأمين الصحّيّ الرسميّ في إسرائيل، والمنظومة الخدماتيّة التي تحيط به، والتكنولوجيّات النوعيّة المتطوّرة المتوافرة لعموم السكّان.[1] تتناول المقالة أيضًا المؤشّرات الصحّيّة الجيّدة في إسرائيل، بما في ذلك متوسّط العمر المتوقَّع عند الولادة الذي يتفوّق على المعدّل العامّ لدول OECD، حيث جاءت إسرائيل في المكان الرابع في صفوف الرجال، وفي المكان الحادي عشر في صفوف النساء. على الرغم من ذلك، تتناول المقالة العديد من التحدّيات، ولا سيّما الارتفاع في خصخصة الخدمات التي كانت عامّة في أساسها، والنقص في ميزانيّات عدد من القِطاعات الذي أدّى هو كذلك إلى توافر عدد قليل نسبيًّا في الأَسِرّة العلاجيّة. كذلك تشير المقالة إلى وجود فجوات متواصلة في الخدمات الصحّيّة بين المجموعات السكّانيّة، ولا سيّما بين اليهود والعرب، ومناطق المركز مقابل مناطق الأطراف، وكلّ ذلك على الرغم من الاستثمارات الاقتصاديّة والتنظيميّة الضخمة. يوصي كاتبا المقالة -في ما يوصيان- وزارة الصحّة أن تمتنع عن تقديم الخدمات المباشرة (من خلال ملْكيّة بعض المستشفيات، على سبيل المثال)، وأن تتمحور في التخطيط البعيد المدى للجهاز الصحّيّ والإشراف عليه، وثمّة توصية أخرى تتعلّق بزيادة تمويل الجهاز الصحّيّ الجماهيريّ العامّ. وتشير المقالة أنّ الجهاز الطبّيّ، على العكس من مجالات أخرى، لا يعترف بالمعوّقات والحواجز العرْقيّة أو الدينيّة، ويتميّز بوجود تعاون مكثّف وعميق بين اليهود والعرب. وعلى ذلك، يقدّمون توصية بفحص إمكانيّة توسيع هذا التعاون إلى مجالات أخرى.

جرى إطلاق سلسلة المقالات هذه في مطلع أيّار عام 2017، في إطار المؤتمر السنويّ الذي يعقده المعهد القوميّ لدراسة الخدمات الصحّيّة والسياسات الصحّيّة، وفي لقاءات علميّة جرت في حيفا وبئر السبع والناصرة. عُقِد اللقاء في الناصرة بالتعاون مع مستشفيات المدينة الثلاثة، وتناول الفجوات في الصحّة بعامّة، والفجوات في صحّة الأمّ والطفل على نحو خاصّ، ونادى الباحثون الذين يعملون في مجال الفجوات بضرورة استثمار المزيد من الميزانيّات في مناطق الأطراف؛ وبناء برامج لنهوض بالصحّة مع ملاءَمتها لثقافة جمهور الهدف واحتياجاته، والعمل على وجه السرعة على تقليص نسب التدخين في صفوف الرجال العرب عبْر برامج تدخُّل تثقيفيّة خاصّة.[2] تتناول المقالة حول صحّة الأمّ والطفل تنويعة من العوامل، من بينها الروابط العائليّة القويّة، ومخصّصات الأولاد، والتعليم المجّانيّ من سنّ الثالثة، والخدمات الصحّيّة العامّة والخدمات الواسعة للطبّ الوقائيّ؛ وجميعها تُفضي إلى النتائج الطيّبة التي تحصدها إسرائيل في كلّ ما يتعلّق بنسب وفيات الرضَّع ووفَيات الأمّهات، وهي نسب متدنّية جدًّا مقارَنةً بالمعدّل في دول OECD.[3] على الرغم من ذلك، تخيّم على هذه الإنجازات نسب الفقر العالية في صفوف الأطفال، ولا سيّما في صفوف الجمهور العربيّ. تلخّص المقالة مؤشّرات صحّيّة، وتلقي الضوء على الفجوات القائمة، وتَعرض مجموعة من التوصيات الـمُعَدّة لتعزيز الجهاز الصحّيّ كي يتمكّن من تقديم أفضل الحلول لاحتياجات المجموعات السكّانيّة المختلفة.

يلخّص البروفيسور سكورتسكي والبروفيسور هورطون في مقالتهما “إسرائيل: الصحّة وما وراءها”[4] قائلين إنّ سلسلة المقالات تُظهر توافُرَ فرصة هائلة لإسرائيل لتسخير المبادئ الصحّيّة الكونيّة لمعالَجة الصراع القوميّ وانعدام المساواة، والعمل بالتالي على ضمان مستقبل أفضل لمنطقتنا. يتضمّن العدد -على نحوٍ استثنائيّ وللمرّة الأولى في “لانست”- ملخَّصات للمقالات باللغتين العبريّة والعربيّة ويعرض غلافه نوافذ “شاغال” المنصوبة في مستشفى هداسا.

في نهاية أسبوع إطلاق المقالات، استضاف رئيس الدولة رئوفين (روبي) ريفلين البروفيسور هورطون والكتّابَ الأساسيّين في العدد. بعد تسلُّمه العدد الخاصّ، قدّم الرئيس شكره وامتنانه لهم على هذه المبادرة المهمّة وقال: “علينا جميعًا العمل على أن يقوم الطبّ والعلم بتوجيه السياسة لا العكس. يحدوني أمل أن يَقْدمَ قراؤكم إلى إسرائيل كي يطّلعوا عن كثب على الإنجازات التي حقّقناها هنا، ولمشاركتنا في بناء مستقبل أفضل”. في معرض إجابة البروفيسور هورطون، تناول إنجازات الجهاز الطبّيّ في إسرائيل وأضاف قائلًا: “نريد أن نرى في إسرائيل مجتمعًا عالميًّا يوسّع المشاركة الدوليّة والتعاون مع أرجاء العالم. هذا الطاقم وأنا، شخصيًّا، نعارض المقاطَعة على إسرائيل معارَضة مطلَقة. المقاطَعة ليست هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الاختلافات في وجهات النظر”.

بوصفي من محرّري هذه السلسلة، ورئيسة المعهد القوميّ لدراسة الخدمات الطبّيّة وسياسات الصحّة في إسرائيل الذي تجنّد لصالح المشروع، أشعر بالاعتزاز والفخر لإسهامنا في هذا التعاون المثمر. أومن بالحِوار ولا أومن بالمقاطَعة، والأحداث التي جرى توصيفها هنا تسوّغ هذا الطرح. في العامين الأخيرين، انتقلت مجموعة الكتّاب الرئيسيّين من الارتياب وعدم الاتّفاق والغضب إلى الثقة والحِوار والعمل الإيجابيّ.

 


ترجم المقال من العبرية جلال حسن *

[1] Mark A. Clarfield, Orly Manor, Gabi Bin Nun, Shifra Shvarts, Zaher S. Azzam, Arnon Afek, Fuad Basis and Avi Israeli, “Health and Health Care in Israel: An Introduction”

[2] Khitam Muhsen, Manfred S. Green, Varda Soskolne and Yehuda Neumark, “Inequalities in non-Communicable Diseases between the Major Population Groups in Israel: Achievements and Challenges”

[3] Lisa Rubin, Ilana Belmaker, Eli Somekh, Jacob Urkin, Mary Rudolf, Mira Honovich, Natalya Bilenko and Zachi Grossman, “Maternal and Child Health in Israel: Building Lives”

[4] Karl Skorecki and Richard Horton, “Israel: Health and Beyond”

البروفيسورة أورلي مانور


محاضِرة في مدرسة براون للصحّة الجماهيريّة العامّة في الجامعة العبريّة في القدس؛ ورئيسة المعهد القوميّ لدراسات الخدمات الصحّيّة والسياسات الصحّيّة في إسرائيل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *