http://forum.vanleer.org.il/ar/%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%a1-%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86%d8%a7%d9%86%d8%a9-%d8%ad%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d8%a8%d9%88-%d8%ad%d8%b3%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d8%ac%d8%b1%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84/

حدِّثيني عن نفسك، وعن فنّك، وعن الصعوبات والتحدّيات التي واجهتِها، وكيف أثّرت على مشروعك الفنّيّ.

بدأتُ بالرسم في سنّ مبكّرة جدًّا. إخوتي أطلقوا عليّ “جمانة الحسيني”، فهمت في فترة لاحقة أنّها رسّامة فلسطينيّة تعيش في المهجر. في سنّ السادسة عشرة، قرّرت أنّني أريد أن أصبح فنّانة. حاولت الالتحاق بجامعة حيفا، لكن رُفضتُ بسبب صغر سنّي. بتوصية من أخي عامر (رحمه الله) بدأت الدراسة في كلّيّة عيمك يزراعيل (مرج ابن عامر)، وتتلمذت هناك لمدّة ثلاث سنوات على يد النحّاتة داليه مئيري وعملت مساعدة لها. بعد ذلك قرّرت التوجه للدراسة في معهد بتسلئيل للفنون في القدس، فقمت بالتسجُّل للدراسة هناك بتشجيع ودعم من والدَيّ. أبي كان شديد الفخر بأنّ ابنته ستكون الطالبة العربيّة الأولى التي تدرس الفنّ في بتسلئيل. في تلك الفترة، لم يدرس الكثير من الطلاب العرب في بتسلئيل، وحتّى اليوم لا يزال أساتذتي يتذكّرون كيف رافقني أهلي إلى بتسلئيل حاملين تماثيلي بأيديهم.

في بتسلئيل درست أربع سنوات وحصلت على اللقب الأوّل في الفنّ، ودرست سنة تخصّصيّة، ودراسات متمّمة في مجال السيراميك. عندما أنهيت السنة الرابعة، أدركت وأعلمت الجميع أننّي سأكون فنّانة، لكن الأمر قوبل بالرفض الشديد من قِبل أبي وإخوتي. أنا ابنة وحيدة بين أربعة صبيان، وكنت عندها في السادسة والعشرين من عمري، وكان يُفترض بي عندها أن أكون متزوجة، لا أن أكون فنّانة أو أن أسعى لبناء مشواري المهنيّ. بالنسبة لعائلتي، أنْ أتعلّم هو أمر مقبول بل مطلوب ومرغوب فيه، لكن أنْ أصبح فنّانة هو أمر مختلف تمامًا.

بعد حصولي على اللقب الأوّل، درست لنَيْل شهادة التدريس، ومن ثَمّ اللقب الثاني في تاريخ الفنّ، وتوجيه المجموعات، وإدارة المؤسّسات الفنّيّة والثقافيّة، وعملت مساعِدة تدريس. علاوة على ذلك، درست الفنّ الإسرائيليّ وإدارة المؤسّسات الفنّيّة في جامعة تل أبيب.

المنافسة في بتسلئيل كانت شديدة، وكان عليّ أن أواجه الكثير من الصعاب، وأن أتعلّم اللغة والمصطلحات واللغة في الفنّ الحديث والفنّ المفاهيميّ (Conceptual art). كان عليّ أن أتعلّم كيف أعبّر عن نفسي، وأتحدّث، وهذه أمور لم نعتد عليها؛ لا أن نعبّر عن أنفسنا ولا أن نتحدّث في أمور الفنّ. أتذكّر أنّني لم أتحدّث قَطّ في السنة الأولى، وفي السنوات التي تلتها كنت حاضرة وبدأ الطلّاب يهتمّون بما أفعلّ. في السنة الثالثة، حصلت على جائزة شاريت، ولم يكن من السهل الحصول على جائزة كهذه.

اهتممت دائمًا بعدم تجاهل هُويّتي، لكنّني لم أنشغل بهُويّتي كفلسطينيّة قدر انشغالي بهُويّتي كامرأة . تعرُّفي وانكشافي على الفكر النسويّ وقراءة الأدبيّات النسويّة أثّرا عليّ أيّما تأثير خلال الدراسة. وكان لعملي مع النساء اللواتي يعانين من ضائقة عظيمُ الأثر عليَّ. المواضيع التي أعالجها في أعمالي ترتبط في الأساس باضطهاد النساء، وقتل النساء، والعنف ضدّ النساء. في الواقع الذي أعيش فيه ثمّة فرق في التعامل والتربية بين الذكور والإناث. تعاطيت مع موضوع اضطهاد النساء الذي يبدأ في البيت وأعمالي الفنّيّة تعالج هذه القضيّة في الأساس.

ما هو التيّار الفنّيّ الذي تنتمين إليه أو تتواصلين معه في أعمالك الفنّيّة؟

اليوم، في عصر ما بعد الحداثة، يجري تعريف الفنّان كفنّان مفاهيميّ (تصوّريّ) أو فنّان تشكيليّ. أنا أقوم ببناء المنشآت. بداية أفكّر بفكرة معيّنة، بمفهوم مركزيّ، وبالموادّ التي أريد استخدامها، وبتقنيّات العمل. ثمّة وفرة من الموادّ بيد الفنّان. المُحتَرَف الفنّيّ هو المختبر الذي أشعر فيه أنّني أستقصي في عملي الفنّيّ أو أفحصه. لا أعرّف نفسي رسّامة، لكنّني أستطيع استخدام الرسم أو التصوير أو أيّة وسيلة أخرى. على الرغم من ذلك، أعرّف نفسي بأنّني فنّانة تشكيليّة.

צילום מסך 2016‏.05‏.23 ב‏.09.47.14

حنان أبو حسين، MEMANTRY FREEDOM, 2015، تقنية مختلطة، حديد باطون، غاليريا بربور، تصوير: أريك فورتمان

ما الذي يميّزك كفنّانة برأيك؟

أعتقد أنّ عملي كفنّانة مختلف وخاصّ. الموضوع الذي يشغل بالي في عملي الفنّيّ هو اضطهاد النساء وقتلهنّ، وقد بدأت أخوض فيه قبل عَقْدَين من الزمن، بينما اليوم أصبح صرعة دارجة.

في عملي نوع من الاستمراريّة، لكنّه يحمل في طيّاته حراكيّة وتطوّرًا كذلك. لا أنسخ نفسي ولا أستنسخها. أتغيّر دونما انقطاع، وأريد أن أدخل أمرًا جديدًا إلى داخل أعمالي الفنّيّة، وإن كان الحديث يدور عن الموضوعة ذاتها. قد تكون لغتي لغة دوليّة. الانشغال بقمع النساء هو انشغال عالميّ. ليس فلسطينيًّا ولا إسرائيليًّا. كلّ امرأة تستطيع التماثل مع أعمالي. أنقل عملي من المكان الشخصيّ إلى المكان الكونيّ العامّ. على الرغم من انكشافي على الفنّ التشخيصيّ- التمثيليّ (فيغوراتيف) والنحت التشخيصيّ- التمثيليّ، وعلى الرغم من تجاربي ومعارفي الواسعة في عالَم الموادّ، ما زلت أتعامل مع عملي مع المواد على أنّه أمر فائق الأهمّيّة. عندما أبني الفكرة أو المفهوم، يهمّني أن أوصل ذلك للآخر وللغريب. يهمّني جدًّا أن أنقل هذه الأساليب. عندما أستخدم الموادّ الصناعيّة القائمة اليوم، لا تمْكِن الإشارة إلى أعمالي بأنّها عربيّة أو إسرائيلية أو غير ذلك. لقد تغيّرت اللغة، وأصبحت لغة عالمية.

حدِّثيني حول مشاركتك في معارض في البلاد وخارج البلاد، وكيف يتفاعل الناس مع أعمالك الفنّيّة.

شاركت في أكثر من 150 معرضًا مرموقًا في متاحف وصالات عرض فنون في أرجاء العالم. أحد المعارض  التي شاركت فيها كان في مِندوف غاليري سان تْوا في باريس وجاء بعنوان “Lieu Commun ” (“المفهوم ضمنيًّا”)، وذلك في العام 2005، حيث شارك فيه فنّان فلسطينيّ، وفنّان فرنسيّ، وفنّان تونسيّ، وآخر إسرائيليّ. عملي كان حول الشَّفرات (السكاكين)، وقد مثّلت من خلاله اضطهاد النساء وقتل النساء بحجة شرف العائلة. هذه الشَّفرات استخدمها الرجال ذات مرّة لحلاقة الوجه. عندما نصبتُ المعرض ودخل الناس إلى فضائه، شعر بعضهم بالتهديد وشعر آخرون أنّ الشَّفرات المعلَّقة فوق رؤوسهم تقطّعهم إرْبًا إرْبًا. بينما لي  كانت ندوب في يديّ بعد حلاقة الشعر عنها، كان ذلك ترميزًا للندوب التي بقيت على الجسد الأنوثيّ من  الشَّفرات والتي هي ليست سوى شفرات يستخدمها الرجال لحلق ذقونهم. في معرض آخر في باريس في العام 2006، شاركت بعمل أطلقت عليه اسم “blanket of my mother”، وكان له أصداء واسعة وإيجابيّة. ومعارض أخرى، إحداها في برلين في غاليري “آرتنويلاند” (“فنّ البلاد الجديدة”) الذي تديره فنّانة إسرائيليّة تعيش في برلين وتُدعى ياعيل كاتس بن شالوم، وتستضيف فيه فنّانين إيرانيّين وألمانًا وفلسطينيّين وإسرائيليّين. وشاركت في معارض كثيرة اخرى في البلاد والخارج.

צילום מסך 2016‏.05‏.23 ב‏.09.48.28

حنان أبو حسين، MEMANTRY FREEDOM, 2015، تقنية مختلطة، حديد باطون، غاليريا بربور، تصوير: أريك فورتمان

 

كيف تستطيعين الصمود في حقل الفنّ الصعب بدون ميزانيّات ودعم؟

أموّل نفسي كفنّانة من خلال العمل في تدريس الفنون. أواجه العديد من الصعوبات، ومنها المشاركة في المَعارض بدون تمويل أو بتمويل رمزيّ فقط. يحصل الفنّان في البلاد هنا على تمويل حكوميّ ما دام يعمل في مُحتَرَفه، على عكس أوروبا على سبيل المثال. هنا الكثير من الفنّانين يعملون في مجال تدريس الفنون، أو بعمل آخر إضافيّ لعملهم في محترَفاتهم. بعض التمويل للأعمال الفنّيّة يتأتّى من الجوائز التي تدعم الفنّان، لكن الأمر متوافر مرّة كلّ ثلاث سنوات، وبعض الفنّانين لا يحصلون على الجوائز بتاتًا. معظم مشاريعي وأعمالي التنصيبيّة باهظة التكلفة، ولذا أجدني مرغَمة على العمل بثلاث وظائف كي أموّل نفسي، وأسدّد تكلفة إيجار المُحتَرَف.

الكثير من الفنّانين يتوقّفون عن الإبداع بسبب ضرورة البحث عن مصدر رزق ومعيشة، وهذا الأمر يخيفني ويقضّ مضجعي، أي أن أتوقّف عن الإبداع بسبب الوضع الاقتصاديّ. لذا عليّ أن أعمل على نحوٍ مكثّف طَوال الوقت، وعندها يأتي وقت العمل على المشاريع الفنّيّة والتي تكون عادة على حساب الحياة الخاصّة. بعد يوم عمل طويل، أذهب إلى المحترَف وأعمل هناك حتّى منتصف الليل. هذه الأوقات أستغلّها للإبداع، والمحترَف هو مكان عمل آخر، وعليّ أن أنتج فيه كأيّ عمل يصل الإنسان إليه، وأمنحه كلّ وقتي. الاختيار أن تكوني فنّانة ليس سهلًا البتّة لكننّي أعمل في مهنة أحبّها جداً.

ما هي طموحاتك ومشاريعك المستقبليّة؟

قال لي أحد المحاضرين ذات يوم (وتربطنا اليوم صداقةٌ وثيقة): إن كنت فنّانة بدون جوائز، فلستِ ذات قيمة. منذ ذلك الحين، أصمّم  وأعمل جاهدة للحصول على جوائز، ووفعلا حصلت على جوائز كثيرة منذ مرحلة الدراسة حتّى الجائزة الأخيرة، وهي جائزة وزيرة الثقافة والرياضة للفنّ التشكيليّ للعام 2014. فزت كذلك بجائزة كتاب فنّان من قِبل مفعال هَبايس في العام 2012، وجائزة فنّان في المجتمع المحلّيّ من قِبل وزارة الثقافة في العام 2012، وجائزة تشجيع الإبداع من قِبل وزارة الثقافة والرياضة في العام 2010، وجائزة الفنّان الشابّ في العام 2004، وجائزة صندوق شاريت في العام 2005، وجائزة هاينريخ بل في العام 2002، وجائزة صندوق أمريكا – إسرائيل في العام 2000-2002، وجائزة صندوق أمريكا- إسرائيل في العام 1998-2000، وقامت بعض المتاحف باقتناء عدد من أعمالي الفنّيّة ومن بينها متحف رمات غان ومتحف عين حارود.

وجْهتي اليوم نحو خارج البلاد والعالم الواسع. عرضت أعمالي في معارض دوليّة لفنّانَيْن اثنين، ومعارض جماعيّة وأخرى غيرها. لا أنتمي لأيّة صالة عرض فنون، فلسطينيّة كانت أم إسرائيليّة. حرّيّتي مقدّسة، وأتمنّى أن أقدّم معرضًا منفردًا في خارج البلاد والوصول إلى المتاحف. أقوم بكلّ هذا لوحدي على الرغم من صعوبة الوصول بدون أمين معرض.

وهل من كلمة ختاميّة؟

أودّ أن أقدّم شكري لأمّي ولأخي عامر (رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه). لقد دعمني كلاهما دعمًا لا يعرف الحدود أو التحفّظات، ولم أكن لأَبْلغ ما بلغته دون دعمهما.

يهمّني أن أذْكُر أنّني فنّانة ناشطة على المستوى الاجتماعيّ والسياسيّ، وقد كنت ناشطة في الفترة الواقعة بين العامين 2005 وَ 2006 في حركة “فنّانون بلا حدود”. تبرّعت بعدد من الأعمال الفنّيّة لصالح حرّيّة التعبير والرأي. إلى جانب ذلك، أدرّس في متحف إسرائيل مدرّسين عربًا ويهود، وأحاضر في كلّيّة شنكار في قسم الفنون، وأدرّس الفنّ في مدرسة العيساويّة الابتدائيّة للبنين، وأصل بين حين وآخر إلى الخليل كمتطوّعة لتدريس الفنون للأطفال. عندما آتي إلى الخليل أو العيساويّة أو متحف إسرائيل، أشعر بالازدواجيّة التي تسير معي في هذه الأماكن، وكمن تعيش في عالَمَيْن وحَدَّيْ نقيض. هذه الازدواجيّة ليست سهلة ألبتّة، لكن الطفل هو طفل، ويهمّني أن أدرّس، فالأمر يمنحني الكثير ويؤنس روحي. بالنسبة لي، هذا العمل هو رسالة تضخّ في نهاية الأمر روحَ الإبداع في مشروعي الفنّيّ.

 


 

حنان سعدي، مركّزة مشاريع في مركز منارات للعلاقات اليهودية العربية، ومجال المجتمع المدني في معهد فان لير، وعضو هيئة تحرير مجلة منبر فان لير للنقاش والبحث حول اليهود والفلسطينيين.

حنان أبو حسين



حنان أبو حسين هي فنّانة ومبدعة فلسطينيّة، وهي تملك مُحتَرَفًا (أستوديو) في “الغاليري الجديد- ورشات الفنّانين في القدس”، وتعمل كذلك مدرّسةً للفنون. وُلدت حنان في أمّ الفحم، وتعيش وتعمل في القدس منذ العام 1996.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *