“الخدمات الصحّيّة هي بمثابة الصمغ الاجتماعيّ الذي يوفّر الحماية للمواطنين. فهي تبني التضامن وأُسُس المجتمعات المحلّيّة، وتغيّر الطريقة التي ينظر فيها الناس إلى الدولة”. هذا ما قاله ريتشارد هورطون محرر إحدى أهمّ المجلّات الطبّيّة في العالم “The Lancet”،  في مقابلة مع صحيفة هآرتس في التاسع عشر من أيار 2017،  على شرف صدور عدد كامل من المجلّة يتناول جهاز الصحّة في إسرائيل. أثنى هورطون على مَناحٍ معيّنة في الجهاز الطبّيّ في اسرائيل، كصناديق المرضى والعلاقات الوثيقة بين الأبحاث والعلاجات الطبّيّة، لكنّه وجّه انتقادات شديدة ولاذعة لسياسة إسرائيل الصحّيّة في المناطق الفلسطينيّة، ولا سيّما في قِطاع غزّة (راجِعوا هنا).    

ارتأينا في هذا العدد من “منبر” أن نلقي نظرة على الجهاز الصحّيّ في إسرائيل من زاوية العلاقات اليهوديّة – العربيّة، وأن نناقش الأضواء والظلال على حدّ سواء. سنعرض في هذا الإطار الضيّق مقالات قصيرة كتبها باحثون ومهنيّون يعملون في الحقل، وأعضاء جمعيّات مدنيّة تعمل في هذا المضمار. بطبيعة الحال، نحن هنا إزاء قراءات سريعة وخاطفة لهذا الموضوع الرحب والشائك، ونسعى من وراء ذلك إلى تسليط الضوء على هذا الموضوع وإثارة النقاش حوله.

كلّ من يحتاج إلى خدمات طبّيّة (أي نحن جميعنا) لا يستطيع إلّا أن يلحظ الثورة الحقيقيّة الجارية في السنوات الأخيرة في جميع المؤسّسات الطبّيّة ومؤسّسات الرعاية في أنحاء البلاد. حضور العرب في جميع المهن الطبّيّة بارز وواضح وضوح الشمس، والمزيد من الشبّان والشابّات العرب يتّجهون لدراسة موضوع الطبّ في البلاد وخارجها، وينخرطون لاحقًا في الجهاز الطبّيّ على جميع المستويات. بعض مديري المستشفيات في شمال البلاد هم من العرب، وبعض رؤساء الأقسام الطبّيّة عرب، وثمّة العديد من الأطبّاء العرب المرموقين. الأطبّاء والصيادلة وعاملو التمريض العرب يشكّلون اليوم نسبة ملحوظة في القوة العاملة البشرية في جهاز الصحة في اسرائيل، ويصل معدل الصيادلة نحو 40%. وخلال عملنا لإصدار هذا العدد، علمنا أنّ أكثر من مئتَيْ طبيب عربيّ نجحوا في امتحانات الترخيص.         

على هذا النحو تحوّلت المستشفيات إلى مختبرات  للعيش المشترك، حيث يمكث معالِجون ومعالَجون (بكسر اللام تارة، وبفتحها تارة أخرى) من المجموعتين تحت سقف واحد، ويعملون معًا في فضاء إنسانيّ عامّ، يخلو -وإنْ ظاهريًّا- من السياسة ومن الاعتبارات غير الموضوعيّة. التقرير الواسع والمفصّل الذي نشرته الحركة اليهوديّة الإصلاحيّة (“هَتنوعاه لِيَهَدوت مِتكَديمِت”)، في شباط عام 2017 تحت عنوان “رفوءاه شليما” (وهو تعبير بالعبريّة يُستخدم لتمنّي الشفاء التامّ للمريض، لكنّه يعني كذلك مجازيًّا في هذا السياق: “طبّ كامل ومتكامل” -المترجم)، طرح أنّ هذه الظاهرة تشكّل “مثالًا للحياة المشترَكة” (انظروا  هنا).         

ويقول البروفيسور رياض إغباريّة الذي رأَسَ دائرة الصيدلة في جامعة بن غوريون لسنوات عديدة: “اللقاء اليوميّ بين مزوِّد العلاج العربيّ والمريض اليهوديّ ضروريّ من أجل تقليص التباعد والنفور بين المجتمعين. اللقاء في الصيدليّة والثقة بالصيدلانيّ أنّه سيوفّر الدواء للأوجاع الجسديّة يولّدان التعاون والثقة المتبادلة بين الطرفين، وهو ما يؤدّي تدريجيًّا إلى انهيار منظومة الأفكار النمطيّة وبناء العلاقات التي ترتكز على الاحترام”.       

هل الصورة “ورديّة” إلى هذا الحدّ حقًّا؟ هل تتحقّق في هذا الموضوع الحسّاس والمهمّ مساواة بين اليهود والعرب يمكن لها أن تشكّل مثالًا يُحتذى به في المجالات الأخرى؟ المسح الصحّيّ والبيئيّ الذي أجرته جمعيّة الجليل في صفوف السكّان العرب في إسرائيل يكشف النقاب عن نتائج مقلقة جدًّا، ويُظهر وجود أزمة صحّيّة خطيرة في المجتمع العربيّ، ويقترح مُعِدّو المسح وضع خطّة إستراتيجيّة بنيويّة للتعامل مع هذه الأزمة. في هذا العدد، نورِدُ موجَزًا للنتائج والتوصيات التي يقدّمها د. محمّد خطيب أحد مُعِدّي المسح، وننشر مقابلة مع بكر عواودة المدير العامّ لجمعيّة الجليل.

في مقالة د. نهاية داوود، الاختصاصيّة في الصحّة العامّة من جامعة بن غوريون في النقب، تسلّط الكاتبة الضوء على العلاقة الوثيقة بين غياب المساواة في الصحّة وبين الفجوات الاجتماعيّة- الاقتصاديّة، والطّبقيّة، والسياسيّة، والجندريّة، الأمر الذي يخلق مستويات متدنّية من الصحّة البدنيّة والنفسيّة في صفوف مجموعات الأقليّة حول العالم، ولا يحيد  الجمهور الفلسطينيّ في إسرائيل عن هذه القاعدة. تتناول د. داوود الأسباب التاريخيّة للفجوات، وتشير بأنّ عملياّت الخصخصة المتزايدة في  الجهاز الصحيّ تَنهش في  مبدأ المساواة الذي يرتكز عليه قانون التأمين الصحيّ الرسميّ. في الجزء الأخير من المقالة تعرض المؤلّفة باقةً من التوصيات لتحسين الوضع القائم.

غياب المساواة بين الفئات الاجتماعيّة في إسرائيل يتجاوز الهُويّات الإثنيّة والقوميّة ليشمل المناطق الجغرافيّة، حيث تعاني البلدات التي تقع في الأطراف من صعوبات في مناليّة العلاجات الطبّيّة المرموقة. هذا الأمر ينعكس جليًّا في مقالة مرغَنيت غوطلير والمحامية نوريت ديساو من المنتدى المدنيّ لتطوير الصحّة في الجليل. في الفترة الأخيرة، علت أصوات رؤساء سلطات محلّيّة يهوديّة وعربيّة في الجليل محتجّة على ما يدّعون أنّه تدهوُر متواصل في أوضاع الخدمات الصحّيّة في الشمال.  

 طبيب الأسنان د. عارف مطر يعالج اليهود والعرب على حدّ سواء، ويرى أن عمله  ينطوي على رسالة إنسانيّة، ويرى أنّه يسبح هو ومعالَجوه ضدّ التيّار المتعكّر في السياسة الإسرائيليّة، ويتحدّث عن غياب المساواة بين أطبّاء الأسنان داخل الجهاز، وهو ما دفعه مع زملاء له إلى إقامة نقابة عربيّة مستقلّة هي “جمعيّة أطبّاء الأسنان العرب”.

تتحدّث البروفيسورة أورلي مانور في مقالتها عن حيثيّات قرار المجلّة الطبّيّة العريقة The Lancet المذكورة أعلاه تخصيص عددها الحاليّ لجهاز الصحّة في إسرائيل ويجري التشديد في سلسلة المقالات الخاصّة التي نُشرت في هذا العدد (وكانت البروفيسورة مانور من بين محرّريه) على تفرُّد المجال الصحّيّ في إسرائيل في كلّ ما يتعلّق بالتعاون بين اليهود والعرب، كما تسلّط المقالات الضوء على التحدّيات الأساسيّة التي تواجه الجهاز الصحّيّ في إسرائيل، بما في ذلك الفجوات المتواصلة في الخدمات التي تتلقّاها الفئات السكّانيّة المختلفة.         

على الرغم من تخصيص العدد الحاليّ من “منبر” للجهاز الصحّيّ داخل دولة إسرائيل، لا يمكن تجاهل مسؤوليّة إسرائيل عمّا يحصل في ما وراء الخطّ الأخضر، حيث يُعتبر الوضع الصحّيّ في “المناطق” إلى مدى بعيد جزءًا من الواقع الإسرائيليّ، ولذا قرّرنا اختتام هذا العدد بمقالة عن هذا الموضوع كتبها هداس زيف والبروفيسور داني فيلك (من منظّمة “أطبّاء من أجل حقوق الإنسان”). ترسم المقالة صورة قاتمة وصعبة للوضع الصحّيّ في صفوف السكّان الفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة، حيث تسعى المنظّمة بقدراتها المتواضعة إلى تطبيق قَسَم أبقراط بمنح العلاج المتساوي للجميع.       

نأمل أن يقدّم هذا العدد* إسهامًا متواضعًا في تحويل هذا الموضوع المهمّ والشائك -بجوانبه المتفائلة والإشكاليّة- إلى جزء من النقاش الواسع حول العلاقات بين المجتمعَيْن القوميَّيْن في هذه البلاد. ثمّة أهمّيّة في اعتقادنا لإجراء أبحاث معمّقة حول التعاون اليهوديّ – العربيّ الوثيق في الجهاز الصحّيّ في إسرائيل، والنظر إليه باعتباره أنموذجًا محتمَلًا للتعاون في مضامير أخرى.

نأمل أن ينال هذا العدد من مجلة منبر إعجابكم ويسرّنا تلقّي ملاحظاتكم وردود أفعالكم.

ساره أوستسكي-لزار – المحرّرة

يوني مندل وحنان سعدي – عضوا هيئة التحرير

 


* ترجم المقالات من العبرية جلال حسن