أحببت الطبيعة منذ نعومة أظفاري، ولذا كان من الطبيعيّ أن أختار موضوع البيولوجيا في دراستي الأكاديميّة. لكن بعد عام دراسيّ واحد في الجامعة العبريّة، فهمت من قلّة عدد الطلبة العرب الذين كانوا يدرسون لنيل الدكتوراه في هذا القسم أنّ الآفاق المهنيّة وسبل الكسب من هذه المهنة محدودة جدًّا. فرص الانخراط في البحث ليست وفيرة، ويمكن لي في أحسن الأحوال أن أصبح مدرّسًا في إحدى المدارس الثانوّية. في السنة الثانية، توجّهت إلى طبّ الأسنان وبقيت هناك حتّى هذه الأيّام: صاحب عيادة خاصّة تعجّ بالزبائن في قرية كفر كنّا، وطبيب أسنان في كيبوتسَيْن اثنين. السببان الرئيسيّان اللذان وقفا من وراء عملي خارج القرية هو رغبتي في التواصل مع المجتمع اليهوديّ، والتعرّف على ثقافته وأسلوب معيشته، وكذلك رغبتي في أن يرى اليهود جانبًا آخر من العرب: عربيّ يمكن له أن يكون طبيبًا، وإنسانيًّا وحضاريًّا، بما يتعّدى الصورة النمطيّة التي يجري عرضها في الأخبار. عندما يجلس المعالَـج على الكرسيّ في العيادة ويضع صحّته بين يديّ، لا بدّ له أن يثق بي. في بداية طريقي، لاحظت بعض التحفّظات هنا وهناك، ولا سيّما بسبب صغر سنّي، لكن مع مرور السنين تولّدت ثقة بيني وبين زبائني اليهود الذين أصبحوا يتوجّهون إليّ اليوم بدون تردّد. على الرغم من ذلك، لزام على العربيّ أن يتميّز أكثر من غيره كي يثبت نفسه وينجح.

الطبيب يريد مصلحة الشخص الذي يعالجه. هذا ما يوجّهه، ولذا فهو لا يكترث لهُويّة من يقف أمامه. الجميع متساوون. أومن أنّ من يختار تعلُّم مهنة الطبّ يتحلّى منذ البداية بدرجة كبيرة من الإنسانيّة، ولذا فهو يتعامل مع المعالَج على أنّه إنسان دون أيّ نوع من التحيُّز. هذا هو قَسَم الطبيب. نحن نعيش هنا معًا، وأنا أرغب في مواصلة هذا النوع من العيش. التعارف العميق بيني وبين اليهود الذين أعالجهم خلق حركة معاكسة للواقع السياسيّ الحاليّ. الـمُناخ العامّ شديد الصعوبة، على الرغم من أنّني لا أشعر بذلك في عملي، فالحكومة المتطرّفة تحاول نزع الشرعيّة عنّا، وثمّة تصعيد في سَنّ القوانين المعادية للعرب في الكنيست، وثمّة سعي لكمّ أفواه الصحفيّين. الأوضاع في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة مزرية جدًّا، وتقوم الحكومة بالاستثمار في المستوطنات بدل أن تستثمر في الصحّة والرفاه. أسعى لتحسين أوضاعنا جميعًا، وأعتقد بضرورة العمل يدًا بيد من أجل مستقبل أفضل.

هرولة الشباب العرب في الآونة الأخيرة إلى دراسة الطبّ لا تنبع من الخيار الحرّ فحسْب، بل كذلك من القيود والمعوّقات، وهذا الأمر يقضّ مضجعي. مئات الشبّان من قريتي -على سبيل المثال- يتعلّمون الطبّ في الكثير من الجامعات في العالم، وبعضها لا يتحلّى بمستويات مرموقة. الطبّ موضوع مرموق ومحترم، ومستقبل الطبيب مضمون. في فترة سابقة، توجّه الشبّان العرب لدراسة الهايتك، لكن سرعان ما تبيّن لهم أنّ الإمكانيّات في هذا المجال محدودة جدًّا، فالصناعات العسكريّة مغلقة أمام العرب، والوظائف غير مستقرّة، والمستقبل لا يبدو مضمونًا. في المقابل، يُعتبر الطبّ مجالًا مضمونًا على امتداد الحياة. هذه الظاهرة ليست جديدة؛ فقد سافر العرب إلى خارج البلاد على الدوام لدراسة الطبّ، ولا سيّما في الفترة التي أرسل الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ أعضاء منه للدراسة في دول الكتلة الاشتراكيّة قبل انهيار الأنظمة هناك. الوضع يختلف الآن؛ إذ تتوجّه أعداد غير مسبوقة من الشبّان العرب لدراسة الطبّ في خارج البلاد، لأنّ شروط القبول في البلاد بالغة الصعوبة، ولا تتعدّى نسبةُ المقبولين من بين الطلبة العرب الذين يتقدّمون لامتحانات القبول في الجامعات الاسرائيلية 10% في المجموع العامّ، ولذا يسافر الكثير منهم للدراسة في بلدان أخرى، ومنها الأردنّ والضفّة الغربيّة. في الفترة الأخيرة، اجتاز أكثر من مئتَيْ طبيب عربيّ امتحانات الترخيص الحكوميّة، وشكّل الأمر مدعاة فخر شديد في الشارع العربيّ. على الدولة أن تعمل على توسيع إمكانيّات دراسة الطبّ في البلاد، وأن تعمل في المقابل على تشجيع الدراسة في الجامعات المرموقة خارج البلاد، وذلك في سبيل المحافظة على المستويات اللائقة في هذا الحقل.

إلى جوار عملي الجاري، أنشط كذلك في جمعيّة أطبّاء الأسنان العرب التي كنت من بين مؤسّسيها في العام 2000. في تلك الفترة، واجهتنا صعوبات في التعامل مع نقابة أطبّاء الأسنان العامّة، التي تُعتبر جسمًا نقابيًّا قويًّا تتوافر لديه ميزانيّات ضخمة ويتحكّم في عمليّة ترخيص الأطبّاء. شعرنا أنّنا لا نحصل على تمثيل كافٍ في هذه المنظّمة، ولا تجري مراعاة احتياجاتنا، حتّى الرمزيّة منها. على سبيل المثال: الكثير من الاستكمالات أجرتها النقابة في أيّام أعياد المسلمين والمسيحيّين، ولم يحصل أن عُقدت استكمالات ومؤتمرات ودورات في المدن والقرى العربيّة. وكان ثمّة كذلك بعض التجاوزات وحالات فساد. فعلى سبيل المثال، عندما أُدخلت بعض التغييرات على النظام الداخليّ، تبيّن لنا لاحقًا أنّ الهدف منها هو إقصاء اللواء الشماليّ في النقابة، وهو اللواء الذي ينتمي إليه معظم الأطبّاء العرب. ولذا، قرّرنا في نهاية الأمر إقامة جمعيّة خاصّة بنا، تسعى إلى النهوض بأمور أطبّاء الأسنان العرب ورفع مستوى الخدمات بالطرق التي تلائمنا. في هذا الأيّام، تضمّ الجمعيّة أكثر من 100 طبيب، وقد أقمنا مركز استكمالات في مدينة شفاعمرو هو الأكثر تطوُّرًا وتجهيزًا في الشرق الأوسط، وهذا الأمر يشكّل مدعاة للفخر والاعتزاز. المركز يضمّ 25 محطّة علاج، ويجري تصوير الطبيب الموجِّه، ويستطيع الجميع مشاهدته. عندما نُجري عمليّة جراحيّة يستطيع كلّ من يجلس في القاعة متابعتها بأدقّ التفاصيل. نعقد الكثير من الدورات، ويشارك فيها أطبّاء يهود أيضًا. أسعارنا أرخص من أسعار شركات ومراكز أخرى تُجري أمورًا مماثلة. منذ نشأة الجمعيّة، اعترفت بأهمّيّة العمل المجتمعيّ وتثقيف الجمهور بشأن صحّة الفم والأسنان، وقمنا بإجراء فحوص للطلّاب في المدارس، وأشركنا الأهالي بنتائجها، وأجرينا نشاطات عامّة لتعزيز الوعي لأهمّيّة المحافظة على صحّة الأسنان، وتواصلنا مع أقسام الخدمات الاجتماعيّة في السلطات المحلّيّة التي ترسل لنا أشخاصًا يعالجهم المستكمِلون في دوراتنا، ممّا يعود بالفائدة على الجميع.

في العام 2014، عقدنا مؤتمرًا دوليًّا لطبّ الأسنان المجتمعيّ (هو الأوّل من نوعه في إسرائيل) في مدينة الناصرة لمدّة يومين، حضره ما يربو على 550 طبيبًا، وشارك فيه اختصاصيّون دوليّون من 15 دولة، وأطبّاء من هداسا ومن صندوق المرضى العامّ. عقدنا المؤتمر الثاني في أيّار عام 2017. على ضوء هذين المؤتمرين، تبيّن للجميع أنّ جمعيّتنا قويّة وتمثّل قِطاعًا واسعًا من أطبّاء الأسنان، ولذا لا تمكن مواصلة تجاهلها. منذ ذلك الحين، بدأت الجامعات والأجسام الأخرى التي رفضت التعاون معنا بسبب الضغوط التي مارستها نقابة أطبّاء الأسنان العامّة عليها، بدأت تتوجّه إلينا بمقترحات للتعاون المشترك.

أشير كذلك بفخر واعتزاز أنّ جمعيّتنا كانت الجسم السبّاق للنهوض بقانون صحّة الأسنان الرسميّ الذي بادر إليه وزير الصحّة يعكوف ليتسمان، فقبل سَنّ القانون عانى العرب والحاريديّون من صعوبات في الحصول على علاجات أسنان لائقة، ولم تتعدَّ نسبة أطفال هاتين المجموعتين الذين خضعوا للفحص والعلاج أكثر من 20% من المجموع العامّ، وعليه عانى هؤلاء في كبرهم من مشاكل طبّيّة صعبة. اليوم تتوافر علاجات الأسنان مجّانًا للأولاد حتّى سنّ الخامسة عشرة، وبلغت نسبة الأطفال الذين يتلقَّوْن العلاج في هاتين المجموعتين 54%. ثمّة الكثير يمكن فعله، ونحن نعمل في هذه الفترة على رفع سِنّ العلاجات المجّانيّة إلى الثامنة عشرة. كذلك نعمل في الجمعيّة بكلّ كدّ ونشاط من أجل منح علاجات أسنان مجّانيّة أو بأسعار مدعَّمة للمسنّين والأفراد الذين يعتمدون في معيشتهم على مخصّصات التأمين الوطنيّ، ولا يستطيعون أن يموّلوا علاجاتٍ للأسنان ناجعةً.

ثمّة نشاط آخر واستثنائيّ تقوم به جمعيّتنا، وهو توفير علاجات الأسنان للأسرى والمعتقلين الفلسطينيّين في السجون الإسرائيليّة. بدأ الأمر بمبادرة فرديّة من قِبل أحد الأعضاء، وتحوّل الآن إلى عمل روتينيّ، حيث يُـحظَر على أطبّاء الأسنان الفلسطينيّين الدخول إلى السجون والمعتقلات، ويتحفّظ الأطبّاء اليهود من القيام بذلك. نقدّم للأسرى في السجون علاجات الإسعاف الأوليّ، ونتدخّل كذلك عندما تتولّد الحاجة إلى تقديم علاجات مهنيّة متواصلة. تُـحوِّل السلطة الفلسطينيّة للجمعيّة رسومًا رمزيّة مقابل هذه الخدمة لتغطية المصروفات. في بعض الأحيان، نصطدم بعقبات بيروقراطيّة، لكنّها لا تَثنينا عن مواصلة رسالتنا الإنسانيّة هذه.

على الرغم من الاكتفاء الكبير الذي أستمدّه من عملي، وعلى الرغم من شغفي بهذه المهنة، حاولت أن أَثْني ابنتي عن رغبتها في دراسة طبّ الأسنان بعد أن أنهت دراستها الثانويّة، وسعيت لإقناعها بدراسة موضوع آخر، لأنّها تميّزت بموضوعَيِ الرياضيّات وعلوم الحاسوب، لكنّها بقيت عند رأيها وقالت لي: أريد أن أعمل مع الناس، ولا أريد أن أجلس قبالة الحاسوب طَوال اليوم. هذا هو إذًا جوهر مهنة الطبّ: العمل مع الناس ومساعدتهم.

 


* ترجم المقال من العبرية جلال حسن

د. عارف مطر


طبيب أسنان، كفر كنّا