https://forum.vanleer.org.il/ar/?p=1930
ميخائيل منكين

ميخائيل منكين

ميخائيل منكين هو مدير مشارك لمجموعة "قومية وشراكة" في معهد فان لير. وهو مدير برنامج الشراكة، أيضًا.

أودّ في هذه المقالة الادعاء بأنه حتى لو كانت المطالبة بأغلبية يهودية شرعية أو إجبارية، فإن ثمة للمطالبة بضمان الأغلبية انطلاقًا من العداء تجاه الفلسطينيين دلالات سياسية سلبية وهي تخلق تناقضًا داخليًا في المنطق القومي لدى الطامحين بالمساواة في إسرائيل. تنطلق هذه المقالة من فرضيتين اثنتين مكرَّستين في خطاب الدوائر الصهيونية الساعية إلى تحقيق المساواة. الفرضية الأولى هي أن اليهود يتطلعون إلى الاندماج في الشرق الأوسط كدولة قومية والعيش بسلام وهدوء في إطار هذا الفضاء. الفرضية الثانية هي أن الشعب اليهودي، مثل الشعوب الأخرى، يستحق من الناحية السياسية تحقيق تطلعاته القومية في إطار دولة مستقلة. هاتان الفرضيتان، كلتاهما، مقبولتان اليوم على غالبية الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم جزء من اليسار الصهيوني. الفرضية الأولى هي جزء من خطاب اليسار اليهودي في إسرائيل (حتى وإن كانت تصريحية فقط، في كثير من الأحيان، وتبدو كأنها مجرد ضريبة كلامية مقابل فكرة “الفيلا في الغابة”، الأقوى بكثير)، بينما تجسد الفرضية الثانية البُعد الأخلاقي ـ الكوني في اليسار الصهيوني. مقولة “يحق لنا، مثل الجميع” تعني، ضمنًا، أن الآخرين أيضًا يستحقون، ولو من الناحية المبدئية على الأقل. ولذا، فللفلسطينيين أيضًا حق محفوظ في تحقيق مصيرهم الوطني من خلال دولة مستقلة وسيادية.

تتيح هاتان الفرضيتان، في الظاهر، المساواة القومية والمدنية بين اليهود والعرب في إسرائيل. الفرضية الشائعة بين اليهود في إسرائيل هي أن لليهود الحق في بناء وتصميم حيز عام يشمل سماتٍ ورموزًا قومية، طالما أنها لا تأتي على حساب الأقلية الأصلانية الفلسطينية.   

لكن، ثمة ادعاء آخر يُضاف إلى الحق في تصميم الحيز العام، غالبًا، وهو الحق في ضمان أغلبية يهودية داخل حدود دولة إسرائيل. يُطرح هذا الادعاء أحيانًا باعتباره جزءًا لا يتجزأ من المطالبة بدولة يهودية، أي كجزء من جوهر الدولة القومية. هذا ما كتبه، على سبيل المثال، البروفيسور موشي هلبرطال: “إذا كان للجماعات الإثنوـ ثقافية حق في تقرير المصير، أي الحق في إقامة حيز سياديّ مستقل تشكل أغلبية سكانه وفيه تتطور وتزدهر ثقافتها، فسيكون من الغريب أن لا تُمنح الجماعة الفلسطينية حق العضوية في حيزها”. يبدو أن هلبرطال يفترض أن حق تقرير المصير يستلزم الأغلبية. أما فيما يتعلق بمسألة المساواة، فإن الثنائية القومية الثقافية في إسرائيل ستكون غير متناسقة، على الدوام. الطريقة الوحيدة للتعويض عن عدم التناسق هي خارج نطاق الحيز الإقليمي. وفق هذا المنطق، يمكن للدولة الفلسطينية، غير المتناسقة هي أيضًا، أن تشكل مرآة للدولة اليهودية غير المتساوية وأن تخلق نوعًا من التوازن المتعدد القوميات. لا أودّ في هذه المقالة القصيرة تحدّي مصطلح الأغلبية والعلاقة غير القابلة للتفكيك بينه وبين المنطق المبدئي في دول تقرير المصير الدولتيّ. ومع ذلك، أودّ الإشارة إلى بُعد مضمونيّ محدد في القومية اليهودية في إسرائيل يتعدى ـ في رأيي ـ الادعاء المبدئي بشأن “القومية الإيجابية”. ثمة في إسرائيل سبب خاص للمطالبة بالأغلبية وهو عداء الأغلبية اليهودية تجاه الأقلية الفلسطينية وخوفها منها. المطالبة بالأغلبية بسبب العداء تُنتج “قومية سلبية” لا تسري على الرغبة في تحقيق الذات والسيادة فقط، وإنما على سرديات خطيرة أخرى.

نظرًا لأن إقامة دولة إسرائيل كانت مرتبطة، ارتباطًا وثيقًا، بحالة مستمرة من ملاحقة اليهود في أنحاء المعمورة، فقد بدت الحاجة إلى الأغلبية بمثابة ردة فعل مناسبة للخوف اليهودي من الوجود كأقلية قومية. وأكثر من هذا، كان الاستيطان اليهودي قبل 1948 يحتاج إلى أغلبية مقابل الفلسطينيين في الحيز، من أجل تبرير مطلبه بإقامة دولة قومية. تأكيد عنصر الأغلبية هو ردة فعل على إرث الأقلية والعدوانية التي تعرض لها اليهود في دولهم الأصلية وجزء من المنافسة مع الفلسطينيين على السيطرة في البلاد. لكن بالإضافة إلى ذلك، كانت المطالبة بالأغلبية مستندة على الهوية المحددة للأقلية الفلسطينية الأصلانية في إسرائيل. هذه الأقلية مُصنَّفة كعدوّ للجماعة القومية السائدة، أي الجماعة الصهيونية. وعليه، فإن الميزان بين الأغلبية والأقلية ليس ميزاناً للثقافة والرموز فحسب، وإنما هو ميزان ذو طابع أمني ـ هوياتي أيضًا. لزامٌ على اليهود أن يكونوا أغلبية كي يستطيعوا حماية أنفسهم. لزامٌ على العرب أن يكونوا أقلية، لأنهم يشكلون خطرًا على اليهود.

يمكن أن نقرأ تأكيدًا لهذا التوجه لدى البروفيسور حاييم غناز في كتابه “صهيونية متساوية“: “قبل شرح وتفسير مصطلح الدولة اليهودية الذي دافعتُ عنه، ينبغي تأييد وجود أغلبية يهودية في إسرائيل، ليس لأنها جزء من معنى الحق في تقرير المصير اليهودي، وإنما بسبب تخوفات اليهود الأمنية”(ص 186). وفي مكان آخر من الكتاب نفسه، يقول غانز: “مبررات وجود الأغلبية اليهودية في إسرائيل والسيطرة اليهودية بقوة إسرائيل العسكرية لا تبرر عدم المساواة في الموارد والفرص بين اليهود والعرب في جميع المجالات التي لا علاقة مباشرة لها بالسيطرة والأمن” (المرجع نفسه, ص 184). فبحسب غانز، نظرًا لأن مسألة الأغلبية ليست جوهرية للقومية الإثنية، بالذات، فإن أي تمييز لا علاقة له بتشكيل الأغلبية هو تمييز غير مبرَّر. ترى فرضية غانز وآخرين، كما تعبر عنها حجة الأغلبية، أن مطلب الأغلبية مُبرَّر بالملاحقات التي تعرض لها اليهود وبالتهديد الذي يشكله العرب عليهم. ولأنّ لليهود حقًا في الأمن، فإن الإمكانية الوحيدة المتاحة أمامهم هي ضمان الأغلبية الديمغرافية. ما عدا ذلك، يُحظر عليهم استخدام الأغلبية إلا لضرورات الدفاع عن الذات. أي استخدام آخر يُعتبر، وفق غانز، هيمنة مرفوضة. وفيما يتعلق بانعدام التوازن الناشئ بين الأغلبية والأقلية، يرى غانز ـ مثل هلبرطال ـ أن الدولة الفلسطينية أيضًا ستكون نوعاً من الإصلاح خارج نطاق الحيز الإقليمي. لكن العداء سيبقى قائمًا، عندئذ أيضًا.

يبدو أن الخوف من فقدان الأغلبية هو ـ في الخطاب السياسي الإسرائيلي ـ خوف مرتبط ببُعد العداء بين الجانبين. مثال صارخ آخر على ذلك هو التبرير الأمني ـ القومي لحل الدولتين، من أجل ضمان أغلبية يهودية ولدرء الخطر العربي الداهم، وهو مطلب يتردد كثيرًا بين مؤيدي حل الدولتين.

يجدر التفكير وإعادة النظر في الرأي القاطع القائل بأن الأغلبية اليهودية مطلوبة للضرورات الأمنية، كما في إسقاطات تشجيع هذا الادعاء. أولًا، علينا الانتباه إلى أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل لا يُسألون عن هذا الرأي. يبدو مستهجناً إرساء المواطنة على قاعدة علاقات العداء بين الأغلبية والأقلية، بينما لا تُسأل الأقلية عن موقفها حيال الأغلبية. تقود هذه الإشكالية، أيضًا، إلى تحديات سياسية عملية. إذا كان الفلسطينيون في إسرائيل يُعتبَرون تهديداً لقوميتنا، بمجرد وجودهم، فكيف سنستطيع نحن اليهود، إذن، التعاون معهم  من دون المسّ بقوميتنا ؟

علاوة على ذلك، ثمة في مطلب ضمان الأغلبية بناءً على علاقات العداء ما يشير إلى أن المزايا القومية الصهيونية هي مزايا سلبية (خوف، ضحوية، عداء) وليست مزايا إيجابية (تطوير الثقافة، اللغة، الرموز وغيرها). هذا ما يعزز الخشية من أن حل المزايا السلبية بواسطة قبول إسرائيل في المنطقة سيقود إلى وضع علامة استفهام حول مشروعية الدولة القومية اليهودية بوجه عام. وعليه، فإن الحسم بأن المزايا السلبية هي جوهرية للصهيونية بصورة دائمة يتيح للمجموعات المعنية بتكريس وتكثيف بُعد العداء في المشروع الصهيوني موطئ قدم هامًّا دونما رد من أولئك الراغبين في المساواة والاندماج. وفوق ذلك، تبدو مستهجنة تمامًا الرغبة في حصر هذه المزايا في المجال الديمغرافي وكأنها لن تنتقل إلى مجالات أخرى، بصورة طبيعية. هنا تنبغي العودة إلى فرضية الانطلاق التي استهللنا بها مقالتنا هذه بشأن تطلع اليهود السياسي والإيديولوجي إلى الاندماج في الحيز الشرق أوسطي والعيش فيه بسلام وهدوء. الرواية التي تشكل صلب هذا التطلع تتناقض مع مفهوم الضحوية اليهودية ومع مفهوم العداء العربي، على حد سواء. من المؤكد أن ثمة في العالم اليوم يهودًا يعيشون تحت التهديد. طالما بقيت إسرائيل محتلة لـ “المناطق” وغارقة في صراع قومي مع الفلسطينيين، سيبقى بُعد العدوانية قائمًا لدى الأغلبية اليهودية تجاه الأقلية الفلسطينية في إسرائيل بصورة مباشرة، بل قد يبقى هذا البُعد قائمًا حتى بعد انتهاء الاحتلال. غير أن التطلع الصهيوني المقتَرَح أعلاه هو أن لا يعيش اليهود والعرب في ظل علاقات من العدائية مستقبلًا. التناقض هو أن هذا الواقع ليس في المتناوَل وليس قابلًا للتحقق طالما بقي مبدأ الأغلبية اليهودية قائمًا، لأسباب تتمثل في العداء كأساس غير قابل للاستئناف والتغيير في الهوية القومية في إسرائيل.

لذلك، حتى أولئك (وربما هم، بالأساس) الذين يعتبرون مطلب ضمان الأغلبية جزءًا من جوهر الدولة القومية مُطالَبون بمواجهة إسقاطات بناء رواية قومية يهودية محددة تقوم على العداء المستمر والدائم بين الأغلبية والأقلية والأخطار التي تنطوي عليها هذه الرواية.