https://forum.vanleer.org.il/ar/?p=1938
أمير فاخوري

أمير فاخوري

أمير فاخوري هو مدير مشارك لمجموعة "قومية وشراكة" في معهد فان لير ومدير معهد الأبحاث في مدرسة السلام في "واحة السلام" / نفيه شالوم.

أرى، في هذه المقالة، إن التفسير الليبرالي النموذجي للمصطلح الدستوري “يهودية وديمقرطية”، الملتزم بالمساواة في توزيع موارد الدولة المادية، ينطوي على تناقض لا يتيح مساواة أحد الأمثلة الشائعة للتفسير الليبرالي لمصطلح “يهودية وديمقراطية” هو ذاك الذي  نجده  في  كلام  رئيس المحكمة العليا  (المتقاعد)، بروفيسور أهارون براك: “حين يكون الإنسان في داخل بيتنا القومي، فهو يستحق المساواة، أيًا كانت ديانته أو قوميته”. إنه، كما ذكرنا، التزام صريح بالمساواة المادية، مثل: المساواة في رصد الميزانيات الحكومية، في توزيع الأراضي وتوزيع الفرص. المساواة، طبقًا لهذا التفسير النموذجي، لا تشمل المساواة في توزيع الموارد السياسية الرمزية (موارد الوعي)، لأن هذه الموارد عبرية، يهودية وصهيونية، على نحو حصريّ تقريبًا.

التناقض هنا ليس حتميًا ولا منطقيًا. كما أنه ليس تناقضًا مقصودًا ومتعمَّدًا بالضرورة. أي أن هذا التناقض لا يكمن في واقع البُنية، وإنما في بنية الواقع. “واقع المبنى” يعني كيفية وصول النص الدستوري إلى أصحاب الشأن به بواسطة التفسير الذي يضعه المفسِّر الخبير المختص، المفسر المخوَّل أو المفسر العام، الجماهيري، للنص الذي يبقى تفسيره محدودًا، إلى حدٍّ ما، ضمن تشكيلة الاحتمالات التي يتيحها النص من الناحية الحرفية. في الجهة الأخرى، يتطرق مصطلح “مبنى الواقع” إلى فهم الموضوع الاعتيادي في الميدان لـ “الرسالة المؤسساتية” التي تنبثق من النص ويلتقطها ثم تُترجَم إلى أفعال من جانب الأخير. بمساعدة منظومات اجتماعية وسياسية عديدة ومعقّدة (بما فيها تفسير الخبير المختص)، يتغلغل تراكم كافٍ من الأفعال “من تحت” صعودًا “إلى أعلى” ويمنح النص الدستوري معنىً ودلالة. هذه الأفعال تجري على نطاق ضيق جدًا وجزئي، مثل: قرارات بشأن من نصادق، بشأن ما نعمل أو من نتزوج، كما في قرارات أخرى على نطاق واسع وبصورة واضحة، مثل: مع من نبني تحالفًا سياسيًا، على غرار التحالف الحكومي في نظام برلماني متعدد الأحزاب.

قبل أن أبين التناقض في هذا التفسير، أسوق فرضيتين تمهيديتين: أولًا، الالتزام المعياري بالمساواة المدنية هو شرط ضروري لتحققها، لكنه غير كافٍ، إذ ينبغي ضمان ألا تكون الطريق نحو امتلاك القوة السياسية اللازمة لفرض وتطبيق المعيار الملزِم مسدودة أمام المجموعة المعنية بالمساواة. أي أن المساواة، أو تحقيق المساواة بصيغة أدقّ، ليس أنها ليست مسألة قانونية ـ قضائية فحسب، بل هي مسألة قوة سياسية، بالأساس. ثانيًا، قد ينبع عدم المساواة من خلل أو فشل بنيوي في الأسس القانونية ـ القضائية أو في البنية المؤسساتية. غير أنّ عدم المساواة قد يكون، أيضًا، نتاجًا لحشد علاقات شخصية بين أشخاص عاديين يتصرفون وفقًا لفهمهم ضمن مرجع ثقافي وسياسي متأثر بالمنطق المؤسساتي ـ الدستوري. أي، وباختصار، كيفما يَفهمون (النص الدستوري)، هكذا يَبنون (الواقع)، الذي تتواسطه بين الطرفين منظومات اجتماعية ـ سياسية.

بالبناء على هاتين الفرضيتين، أدّعي بأن النص الدستوري المحمَّل بكلمتيّ يهودية وديمقراطية يفهمه عدد لا بأس به من المواطنين اليهود الإسرائيليين بكونه تعبيرًا عن ملكية جماعتهم القومية للدولة. وعلى النطاق السياسي الواسع، يُترجم عدد كافٍ من المواطنين اليهود هذا الفهم السياسي ـ التملّكيّ إلى إقصاء، دائم ومثابر، لممثلي الجماعة القومية العربية الفلسطينية في كنف المواطنة الإسرائيلي عن مؤسسات السلطة والحكم. على سبيل المثال، يبيّن مؤشر علاقات اليهود والعرب الذي يعدّه “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” أن نسبة المواطنين اليهود المستعدين لتقبّل مشاركة أحزاب عربية في السلطة (ائتلافات حكومية) كانت 44,3% في العام 2003؛  46,4% في العام 2012؛ 52,8% في العام 2013; 34% في العام 2017 و50% في العام 2019. في الإجمال، ونظرًا لكون المساواة، أو تطبيق المساواة، شأنًا متعلقًا بالسلطة بصورة أساسية، أي بالقوة السياسية، فإن الإقصاء عن السلطة يسدّ الطريق أمام المساواة، حتى وفق المفهوم المادي الضيق الذي هو جزء من التفسير الليبرالي لمصطلح “يهودية وديمقراطية”، كما أسلفنا.

بالعودة إلى النص الذي كتبه براك، نرى أن العبارة الأولى “حين يكون الإنسان في داخل بيتنا القومي” تخلق سيرورة اجتماعية ـ سياسية تحول دون تحقق العبارة الثانية “فهو يستحق المساواة”. المقولة الأولى هي رسالة مؤسساتية دستورية تبثها الدولة، عبر وكلاء ومواقع الثقافة المختلفة التابعة لها. وبقطع النظر تمامًا عن نوايا الوكيل أو هدف الموقع، يفهم عدد كافٍ من المواطنين هذه الرسالة المؤسساتية ـ الدستورية باعتبارها حصرية يهودية على السلطة. المُخرَجات ـ الرسالة المؤسساتية، المُدخَلات ـ فهم الموضوع، تُنقل من خلال إدراك الذات غير الخبيرة والمحدودة بطبيعتها. المُخرَجات، المُدخَلات والإدراك المتوسط بينهما تشكل، معًا، المخطط الاجتماعي الذهني الذي هو نتاج اللقاء (كعَزْم تحليليّ) بين الحصريّ الداخليّ والإدراكيّ، وبين المنطق المؤسساتي، الثقافي والسياسي الخارجي. ومن هذا المخطط تُشتق، أيضًا، سيناريوهات العمل في الواقع، بمستوياته المختلفة.

سأنمذج على هذا اللقاء بالنص التالي الذي نشره شمعون غابسو، الرئيس السابق لبلدية نتسيرت عيليت (نوف هجليل، اليوم) ضمن مقالة بعنوان “أنا عنصري؟”. وقد نُشرت هذه المقالة ردًا على اتهامات وُجهت إلى غابسو إثر دعوته، ضمن أشياء أخرى، إلى المحافظة على “الطابع اليهودي في المدينة” ومعارضته إقامة مدرسة عربية في المدينة. فيما يلي جزء من الرد:

“كثيرون يلصقون بي صفة “عنصري”، بل “نازي”، “متنمّر”، وحتى “هتلر” في بعض الأحيان…. ما هي خطيئتي؟ ما هي جريمتي؟ ما هو فعل التنمّر المنسوب إليّ؟ إنه التصريح الواضح، الحازم، بأن نتسيرت عيليت هي مدينة يهودية. نعم، أنا لا أخشى قول هذا بصوت عالٍ، أن أكتبه وأن أضع عليه توقيعي، أن أصرّح به أمام الكاميرا، في بث حي ومباشر أو مسجَّل: نتسيرت عيليت هي مدينة يهودية ومن المهم أن تبقى كذلك. وإن كنتُ أنا “عنصريًا”، فأنا إذن من نسل سلالة مجيدة من “العنصريين” كانت بدايتها في التحالف بين الفصائل وفي الوعد العنصري الصريح “لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ”… هرتسل العنصري كتب “دولة اليهود” (وليس “دولة جميع مواطنيها”)؛ بلفور العنصري أوصى بإنشاء بيت قومي للشعب اليهودي، دافيد بن غوريون، حاييم أرلوزوروف، موشي شاريت وعنصريون آخرون أسسوا الوكالة اليهودية والأمم المتحدة العنصرية قررت إقامة دولة يهودية؛ أي، لليهود… بن غوريون العنصري أعلن قيام دولة يهودية في أرض إسرائيل، بل عمل في حرب التحرير من أجل جلب مئات الآلاف من اليهود إلى البلاد، مقابل طرد مئات الآلاف من العرب الذين كانوا يعيشون في البلاد ـ كل ذلك لإفساح المجال أمام إقامتها بالطابع العنصري المطلوب. منذ ذلك الحين، أقيمت هنا كيبوتسات تميزت بالنقاء العرقي، فلم يكن فيها أي عضو عربي، جيش يدافع عن لون عرقي محدد، تأسست هنا أحزاب تحمل باعتزاز أسماء عنصرية، مثل “البيت اليهودي”، وحتى أن نشيدنا الوطني العنصري يتجاهل وجود الأقلية العربية، أي أولئك الذين لم ينجح بن غوريون في طرهم إبان حرب 1948. لولا هذه “العنصرية” كلها، لكا من المشكوك فيه أن نستطيع العيش هنا، بل من المشكوك فيه أننا نستطيع العيش أصلًا”.

في هذا النص، أعلاه، شارك غابسو جمهور القراء بفهمه الذاتي للرسالة المؤسساتية ـ الدستورية. أي، كيف يفهم هو النص الدستوري وكيف يبني هو الواقع، بموجب هذا الفهم. بكلمات أخرى، تظهر في هذا النص، بصورة واضحة تمامًا، العلاقة بين المخرَجات والمدخَلات وبنية الواقع. وعليه، فإن نقل بؤرة النظر من واقع البنية إلى بنية الواقع يسمح بنظرة جديدة وطرح أسئلة جديدة يمكنها، بدورها، اقتراح حلول جديدة لعدم المساواة المادية. أسئلة من قبيل: كم عدد حالات الفهم “الغابسوي” هذا؟ كيف بالإمكان منع هذا الفهم وبماذا سيكون هذا منوطًا؟ ولماذا ثمة حالات فهم أخرى، معاكسة، إلى جانب حالات الفهم “الغابسوي”؟ من شأن هذه الأسئلة فتح أفق جديد للبحث والحوار تكمن فيه احتمالية تطبيقات سياسية جديدة.   

هكذا، إذن، من شأن نقل بؤرة النظر من واقع البنية إلى بنية الواقع أن يجعل السؤال عمّا إذا كانت يهودية الدولة تعيق المساواة المدنية ـ المادية، فعليًا، سؤالًا اجتماعيًا ـ سياسيًا، تجريبيًا وظاهراتيًّا يتقصى الممارسة الممتدة على مدى سبعين سنة من الإسرائيلية التي تعلو وتطفو من ملايين الاختيارات التي اختارها مواطنون يهود إسرائيليون (ومواطنون عرب أيضًا، ولو بصورة ثانوية) يتصرفون في إطار البنية ذاتها وتحت تأثيراتها، على  المدى البعيد. وهذا، خلافًا للسؤال الذي يُصاغ، بصورة حصرية أو مهيمنة، كسؤال قانوني ـ قضائي، نظري أو إيديولوجيّ.