هليل بن ساسون

هليل بن ساسون

د. هليل بن ساسون يشغل منصب رئيس "إيديئا": المركز للديمقراطية الليبرالية

تصوير: كان 11

“عيد استقلال سعيد، للمحتفلين” ـ أثارت هذه الأمنية، التي ظهرت على موقع كلية الحقوق في الجامعة العبرية في القدس، عاصفة خفيفة. موجة من الشجب والتنديد من أوساط اليمين وصفوف حزب “العمل” هبّت على الكلية، التي تجرأت وسجلت تحفظًا على احتفالات الاستقلال، قابلتها موجة ضدّية من الشجب والتنديد بالشوفينية القومية لدى الصهيونيين الذين لا يستطيعون إلا محو الرواية الفلسطينية. تكشف هذه الحادثة عديمة الأهمية النموذجَ المهيمنَ في السجال اليهودي العربي في داخل إسرائيل. إنه النموذج الذي يتجسد في مطلب كل من الطرفين على جانبيّ المتراس القومي بإلغاء جذور الهوية القومية للطرف الثاني. هذا النموذج يلغي، أصلًا، احتمال الشراكة السياسية، اليهودية العربية، لأن ثمة طرفًا محدَّدًا فيها متهم، باستمرار، بالسعي لتقويض شرعية النظام (الداعمون للإرهاب)، بينما يُتَّهم الطرف الآخر، باستمرار، بالمحو، بالاحتلال، بالنهب وبالاستعمار. هذه الهوّة الفكرية والهوياتية لا يمكن إلغاؤها قبل أن تجري “المحادثة الهوياتية” من موقع مختلف وأكثر تساويًا، على أن هذه الهوّة تمنع، في الوقت ذاته، مجرد إجراء هذه المحادثة على قدم المساواة.          

أعتقد، بإيجاز، بأن محاولة التجسير على هذه الهوّة محكومة بالفشل وبأنه ينبغي على كل شخص معنيّ بالشراكة اليهودية العربية من أجل إيجاد آلية للملكيّة تكون أكثر تساويًا في البلاد، في مؤسساتها ومواردها، أن يدع جانبًا أسئلة الأساس الجوهرية في كل واحدة من الهويات القومية والتركيز، بدلًا منها، على الاستعداد لـ “العطاء من درجة ثانية” ـ أي، التركيز على المشتقات الرئيسية من كل واحدة من الهويات القومية. بكلمات أخرى، أودّ الإشارة إلى ما يتعين على كل طرف تقديمه لتحقُّق الشراكة السياسية اليهودية العربية، ليتسع مفهوم المساواة المدنية في إسرائيل بصورة عميقة وجوهرية. وإجمالًا، سأحاول أن أرسم، بالخطوط الأولية، شبكة الفوائد السياسية الناجمة عن التفكير بهذه الطريقة.

النموذج المهيمن على الخطاب الإسرائيلي من الجانب اليهودي ومن الجانب العربي هو أن الشراكة والتعايش السلمي ممكنان فقط بشرط تقديم “تنازل أساسيّ”. بموجب هذا النموذج، مطلوب من الجمهور العربي التنازل عن روايته الوطنية. هذه الرواية تشمل مطالب شعب أصلانيّ بوطنه، وبصورة أكثر تحديدًا، تقوم هذه الرواية على تجربة كارثة النكبة وبضمنها الاقتلاع، التهجير، اللجوء والنهب المتواصل المرافق لهذه كلها. فقط إذا تنازل العرب عن عنقود المظالم الذي يحمله تعبير النكبة بين طياته وقبلوا مطلب القومية اليهودية بالهيمنة، وفق النموذج السائد، ستكون ممكنةً في إسرائيل شراكةٌ يهودية عربية، بل مواطنة متساوية بمعناها الأعمق.

في المقابل، يقضي النموذج المهيمن بين الجمهور الفلسطيني في إسرائيل (وخارجها، أيضًا) بأنه لكي يكون ممكنًا العيش المشترك، العادل والمتساوي، ينبغي على اليهود التخلي عن حقهم في تقرير المصير على أرض فلسطين التاريخية. القومية اليهودية في هذه البلاد هي قومية نهب وسلب، وثمة من يدّعون بأنها استعمارية أيضًا. الحياة المشتركة المتساوية ستكون ممكنة فقط إذا توقفت دولة إسرائيل عن كونها دولة يهودية، أي أن تصبح دولة ديمقراطية توافقية غير قومية ـ مكان لا يجري فيه التعبير عن الهوية اليهودية على مستوى الدولة.

المطالبة المتبادلة بتقديم تنازلات أساسية كهذه هي غير واقعية، كما أنها غير أخلاقية. يبدو لي أن الاقتراح البديل التالي هو أكثر أخلاقيةً وأكثر واقعيةً من الناحية السياسية. ينص هذا الاقتراح، بدايةً، على أن التنازل المطلوب ليس تنازلًا من جانب واحد، كما هو الحال وفق النموذج المهيمن أعلاه. يُطلَب من كل من الطرفين، وفق الاقتراح البديل، تقديم أحد ممتلكات البنى التحتية ليحصل على المقابل المرجو بالتنازل المأمول من الطرف الآخر.

على ماذا يجري التفاوض؟   من أجل خلق شراكة سياسية يهودية ـ عربية وبناء مجتمع يضمن المساواة والأمن في إسرائيل، على الجمهور اليهودي في إسرائيل التنازل عن حصرية حيازته القوة السلطوية. أي أن اليهود غير مطالَبين بالتخلي عن تطلعاتهم القومية ولا عن تحقيق هذه التطلعات في دولة إسرائيل. كما أنهم غير مطالَبين بالتنازل عن الحقوق المستحقة لهم من مجرد كونهم الأغلبية في الدولة، طالما أن هذه الأغلبية لا تُفرَض بطرق ووسائل تمييزية. الجمهور اليهودي في إسرائيل ليس مُطالَبًا بتقاسُم هويته القومية والدولتية. إنه مُطالَب بتقاسُم اثنين محددين جدًا من الخيرات: الموارد العامة (المال، الأرض، البنى التحتية، التعليم النوعي، الصحة والثقافة) وسُلطة القرار بشأن توزيعها.

الخطوة المطلوبة من الجمهور العربي هي التقدم من موقع الضحوية التي يتسم بها الأداء السياسي بين هذا الجمهور منذ العام 1948، وبقوة أكبر منذ إنشاء الأحزاب العربية المستقلة. بكلمات أخرى، الجمهور العربي غير مُطالَب بالتنازل عن الشعور بالظلم، كما هو متمثل في النكبة، وهو غير مُطالَب بالتنازل عن ذاكرة النكبة ولا هو مُطالَب بشطب وإلغاء المسؤولية اليهودية عن الظلم الفلسطيني، كما تنبع من مركزية النكبة. لكن المطلوب منه هو تحديث مدى مركزية النكبة في أدائه السياسي الراهن والمستقبلي. في ظل هذا التوتر الدائم بين الضحوية وتحمّل المسؤولية والتمثيل السياسي ضمن الخارطة السياسة الإسرائيلية، مطلوب من الجمهور العربي تعزيز الأخير على حساب الأول.

التنازل عن الهيمنة الكاملة هو تنازل هائل تقدمه أية مجموعة مسيطِرة وهو تنازل عن ممتلكات حقيقية، لا رمزية. ويجب أن يكون المقابل، عن هذا التنازل، جديًّا وذا قيمة. يكون هذا المقابل بهيئة القدرة على نقل الجمهور العربي في إسرائيل من صفّ الأعداء في المعادلة، فعليًا أو رمزيًا، إلى صفّ أعضاء المجتمع. كذلك، فإن التنازل عن الاستقامة المتمثلة في صيانة وعي الضحية هو تنازل عظيم. المقابل عن هذا ينبغي أن يكون قيّمًا. يتجسد هذا المقابل في مجموعة من الخيرات المحسوسة، أحدها قاعديّ وأكثر أساسيةً ـ هو: المساواة.   
الفائدة المرجوة من هذا التمرين الذهني هي، كما آمُل، قدرته على توجيه الجهود السياسية لدى الراغبين في الشراكة السياسية من كلا الطرفين. إذا لقي التنازل المتبادَل المقترَح هنا قَبولًا كنموذج بديل، فسيساعد على فهم أي من بين جهودنا السياسية يسير في الاتجاه الصحيح وموجَّه بطريقة صحيحة وأيها يخطئ الهدف. إنه يسمح بالنظر في وثائق التصور المستقبلي، إذا ما أُعِدت. وهو يسمح بالحكم على تصريحات القيادات، اليهودية والعربية. وبإمكانه، أيضًا، تبيان المشاريع العملية التي يجدر الاستثمار فيها ودفعها قُدُمًا، أي السياسات التي يتعين دعمها، على الصعيدين المحلي والقطري، وأي أنواع من التعاون الميداني ينبغي تنميتها وتوسيعها.
بكلمات أخرى، هذا النموذج الفكري البديل يمكنه أن يشكّل فكرة سياسية منظِّمة. وتتحدد قوته بمدى القبول به واعتماده. وسيتجسد التعبير النهائي عنه في تحقيق الشراكة اليهودية العربية.